ولله عهد لا أخيس بعهده ... لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا [1]
فذهبت الأخرى فقالت ذلك لامرأة سعد، فحلّت عنه قيوده، وحمل على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحا، ثم خرج يركض حتّى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله، ويدقّ صلبه.
فنظر إليه سعد فجعل يتعجّب ويقول: من ذلك الفارس؟ قال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى هزمهم الله، ورجع أبو محجن، وردّ السلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان.
فجاء سعد، فقالت له امرأته أو أمّ ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا، حتى بعث الله رجلا على فرس أبلق، لولا أنّي تركت أبا محجن في القيود، لظننت أنّها بعض شمائل أبي محجن؟ فقالت: والله لأبو محجن كان من أمره كذا وكذا. فقصّت عليه قصّته. فدعا به وحلّ قيوده، وقال: لا نجلدك على الخمر [2] أبدا. قال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدا. كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم. قال: فلم يشربها بعد ذلك.
وروى صاحب الاستيعاب بسنده إلى إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه، قال:
لمّا كان يوم القادسيّة أتي سعد بأبي محجن، وهو سكران من الخمر، فأمر به إلى القيد، وكان سعد به جراحة، فلم يخرج يومئذ إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، ورفع سعد فوق العذيب [3] لينظر إلى الناس [4] ، فلما التقى الناس قال أبو محجن:
(1) خاس بعهده: نقضه. والحواني: الخمارات.
(2) ويسوق ابن سلام القصة مختصرة في طبقاته 1/ 269268.
وفي حاشية طبقات فحول الشعراء ص 269: = روى الطبري 4: 114، أن سعدا حبس أبا محجن وسواه من الناس وقيدهم في القصر، إذ كانوا قد اختلفوا عليه وشغبوا، فحبسهم. وانظر أيضا الطبري 4: 124123.
وروى ابن عبد البر، أن عمر حدّه في الخمر ثماني مرات، فأبى أن يقلع. فلما كان يوم القادسية وقال له سعد ما قال، قال لسعد: كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم. غفر الله له ورضي عنه كان ما أنبله =.
(3) العذيب بهيئة التصغير: ماء بين القادسية والمغيشه.
(4) في النسخة الشنقيطية: = ينتظر إلى الناس =. وهو تصحيف صوابه من طبعة بولاق والاستيعاب.