قال: أما والله لئن بقيت لهنّ لا أدع شريدتهنّ قليلة [1] . وخرج، ولم يقل فيه شيئا. ووافى المحلّق عكاظ، فإذا هو بسرحة، قد اجتمع الناس عليها، وإذا الأعشى يقول:
لعمرى لقد لاحت عيون كثيرة *
إلى آخر القصيدة. فسلّم عليه المحلّق، فقال: مرحبا بسيّد قومه: ونادى: يا معاشر العرب، هل فيكم مذكار يزوّج ابنه ببنات هذا الشريف الكريم؟ فما قام من مقعدة حتّى خطبت بناته جميعا.
وقوله: «لعمري لقد لاحت» إلخ، اللام لام ابتداء تفيد التأكيد، وعمري:
مبتدأ، وحذف خبره وجوبا، أي: عمري قسمي. ومعنى لاحت: نظرت، وتشوّفت إلى هذه النار.
حكى الفراء لحت الشيء، إذا أبصرته. وأنشد: (المتقارب)
وأحمر من ضرب دار الملوك ... تلوح على وجهه جعفرا [2]
كذا في «شرح أبيات الجمل لابن السيّد» . و «اليفاع» ، بالفتح: الموضع العالي. وجعل النار في يفاع لأنه أشهر لها، لأنّها إذا كانت في اليفاع أصابتها الرياح فاشتعلت. وهذه النار نار الضّيافة، كانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة لتكون أشهر، وربّما يوقدونها بالمندليّ الرّطب وهو عطر ينسب إلى مندل، وهو بلد من بلاد الهند ونحوه ممّا يتبخّر به ليهتدي إليها العميان. وأشعارهم ناطقة بذلك.
ونيران العرب على ما في « [كتاب] الأوائل» لإسماعيل الموصلي [3] اثنتا عشرة نارا:
(1) في طبعة بولاق: = لأدع شريدهن قليلة =. وفي النسخة الشنقيطية: = لأدع شريدتهن قليلة =. والوجه ما أثبتناه.
(2) في حاشية طبعة هارون 7/ 147: = رواية السيوطي عن ابن بري في الأشباه والنظائر 4/ 87: = وأصفر =. ثم ساق تخريج ابن بري لروايتي = تلوح = و = يلوح = أيضا. وقد نقل الرواية وتخريج ابن بري صاحب التاج في (لوح) عن السيوطي =.
(3) هو إسماعيل بن إبراهيم الموصلي المتوفى سنة 639هـ شرف الدين: فقيه حنفي أصله من الموصل، وسكنه ووفاته بدمشق. الأعلام 1/ 301. وخبر نيران العرب في شرح أبيات المغني للبغدادي 2/ 279.