وأما ما ادّعى المبرّد أن لام الدم ياء لا واو، فقد تقدّم الكلام عليه في البيت قبل هذا.
وهو من أبيات ثلاثة أورها أبو تمام في «الحماسة» للحصين بن الحمام المرّيّ، وأوردها الأعلم الشنتمريّ في «حماسته أيضا» ، وهي [1] : (الطويل)
تأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدّما
نفلّق هاما من رجال أعزّة ... علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
وقوله: «تأخّرت أستبقي الحياة» إلخ، قال الطبرسيّ في شرحه: يقول:
نكصت على عقبي رغبة في الحياة، فرأيت الحياة في التقدّم. وقال المرزوقي: يجوز أن يكون هذا مثل قولهم: «الشّجاع موقّى» ، أي: تتهيّبه الأقران فيتحامونه، فيكون ذلك وقاية له.
وفي طريقته قول الآخر: (المتقارب)
يخاف الجبان يرى أنّه ... سيقتل قبل انقضاء الأجل
وقد تدرك الحادثات الجبان ... ويسلم منها الشّجاع البطل
ومثله قول الآخر [2] : (المتقارب)
نهين النّفوس وهون النّفو ... س يوم الكريهة أوقى لها
ويجوز أن يقول: أحجمت مستبقيا لعيشي، فلم أجد لنفسي عيشا كما يكون في الإقدام، وذلك لأنّ الأحدوثة الجميلة عند الناس إنّما تكون بالتقدّم لا بالتأخّر، وبالاقتحام لا بالانحراف.
ومن ذكر بالجميل وتحدّث عنه بالبلاء حيّ ذكره واسمه، وإن ذهب أثره وجسمه. وقوله: «حياة مثل أن أتقدّما» ، معناه حياة تشبه الحياة المكتسبة في التقدّم وبالتقدّم.
(1) شرح الحماسة للأعلم الشنتمري 1/ 316والحماسة البصرية 1/ 51.
(2) البيت للخنساء في ديوانها ص 105وتهذيب اللغة 6/ 442ولسان العرب (هون) ونهاية الأرب 3/ 72.