وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، وكان أعظمها عندهم «هبل» [1] ، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك، فجعلوا له يدا من الذّهب.
وكان أوّل من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان يقال له: هبل خزيمة، وكان قدّامه سبعة أقدح [2] مكتوب في أوّلها: صريح، والآخر: ملصق. فإذا شكّوا في مولود أهدوا له هديّة، ثمّ ضربوا بالقداح، فإن خرج: صريح ألحقوه، وإن كان ملصقا دفعوه. وقدحا على الميت، وقدحا على النّكاح، وثلاثة لم تفسّر لي. فإذا اختصموا في أمر، أو أرادوا سفرا، أو عملا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده، فما خرج، عملوا به وانتهوا إليه.
وكان لهم «إساف ونائلة» [3] ، لمّا مسخا حجرين، وضعا عند الكعبة ليتّعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام، عبدا معها، وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر.
وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما.
فلما ظهر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكّة، ودخل المسجد، والأصنام منصوبة حول الكعبة، فجعل يطعن بسية قوسه في عيونها ووجوهها، ويقول [4] : { «جََاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبََاطِلُ إِنَّ الْبََاطِلَ كََانَ زَهُوقًا» } ، ثم أمر فكفئت على وجوهها، ثم أخرجت من المسجد فحرّقت، فقال في ذلك راشد بن عبد الله السّلميّ [5] : (الكامل)
قالت هلمّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى الإله عليك والإسلام
أو ما رأيت محمّدا وقبيله ... بالفتح حين تكسّر الأصنام
لرأيت نور الله أضحى ساطعا ... والشّرك يغشى وجهه الإظلام
(1) كذا في النسخة الشنقيطية وكتاب الأصنام. وفي طبعة بولاق: = وكان أعظمها هبل عندهم =.
(2) الأقدح: جمع القدح بالكسر وقدح الميسر يجمع على أقدح وقداح وأقداح، وجمع الجمع أقاديح.
(3) النقل من كتاب الأصنام ص 29.
(4) سورة الإسراء: 17/ 81.
(5) الأبيات لراشد بن عبد الله السلمي وخبرها في كتاب الأصنام ص 31ومعجم البلدان (هبل) وهي لفضالة ابن عمير بن الملوح مع خبر آخر حول مقتل النبي في السيرة النبوية 2/ 417.