وكذلك [1] : { «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» } لأنّ ثمّ قائمة بنفسها، لأنّها على أكثر من حرف واحد، وليست كواو العطف وفائه، لأنّ تينك ضعيفتان متّصلتان بما بعدهما، فلطفتا عن نيّة فصلهما وقيامهما بأنفسهما. وكذلك لو كان حرف التعريف في نيّة الانفصال لما جاز نفوذ الجرّ إلى ما بعد حرف التعريف.
وهذا يدلّ على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرّفه. وإنّما كان كذلك لقلّته وضعفه عن قيامه بنفسه، ولو كان حرفين لما لحقته هذه القلّة، ولا تجاوز حرف الجرّ إلى ما بعده.
ودليل آخر يدلّ على شدة اتّصال حرف التعريف بما دخل عليه، وهو أنّه قد حدث بدخوله معنى فيما عرّفه، لم يكن قبل دخوله، وهو معنى التعريف، فصار المعرّف كأنّه غير ذلك المنكور وشيء سواه.
ألا ترى إلى إجازتهم الجمع بين رجل والرّجل، قافيتين في شعر واحد، من غير استكراه ولا اعتقاد إيطاء. فهذا يدلّك على أنّ حرف التعريف كأنه مبنيّ مع ما عرّفه، كما أنّ ياء التحقير مبنية مع ما حقّرته، وكما أنّ ألف التكسير مبنيّة مع ما كسرته.
فكما جاز أن يجمع بين رجلكم ورجيلكم [2] قافيتين، وبين درهمكم ودراهمكم، كذلك جاز أيضا أن يجمع بين رجل والرجل، لأن النكرة شيء سوى المعرفة، كما أنّ المكبّر غير المصغّر، وكما أنّ الواحد غير الجميع.
فهذا أيضا دليل قويّ يدلّ على أنّ حرف التعريف مبنيّ مع ما عرّفه، أو كالمبنيّ معه. ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين، لأنّ التنوين دليل التنكير، كما أنّ هذا الحرف دليل التعريف.
فكما أنّ التنوين في آخر الاسم واحد، فكذلك حرف التعريف من أوّله ينبغي أن يكون حرفا واحدا.
فأمّا ما يحتج به الخليل من انفصاله عنه بالوقوف عليه عند التذكّر، فإن ذلك لا
(1) سورة الحج: 22/ 29.
(2) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية: = رجلكم ورجليكم =. وهو تصحيف صوبناه نقلا عن طبعة هارون 7/ 201. وفيها: = فإنه المعبر عن التصغير، كما أن ما بعده لتمثيل جمع التكسير =.