أي: الحارث والعباس، فجرى هذا مجرى قولك في التذكر: قدي، أي: قد انقطع، أو قد قام، أو قد استخرج، ونحو ذلك.
وإذا كان «أل» عند الخليل حرفا واحدا فقد كان ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف قد، وباء بل، إلّا أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته كما حذفوا: لم يك ولم أدر ولم أبل.
ويؤكد هذا القول عندك أيضا أنهم قد أثبتوا هذه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل البتة، وذلك نحو قول الله عزّ وجلّ [1] : { «آللََّهُ أَذِنَ لَكُمْ» } و [2] : { «آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ» } ونحو قولهم في القسم: أفأ لله، ولاها الله ذا. ولم نر همزة الوصل ثبتت في نحو هذا، فهذا كلّه يؤكّد أن همزة أل ليست بهمزة وصل، وأنها مع اللام كقد وهل ونحوهما. انتهى كلامه.
ثم أخذ في تأييد المذهب بكون اللام هي المعرّفة، ونقض مذهب الخليل، فقال:
وأمّا ما يدلّ على أنّ اللام وحدها هي حرف التعريف، وأنّ الهمزة إنّما دخلت عليها لسكونها فهو جرّ الجارّ إلى ما بعد حرف التعريف، وذلك نحو قولهم: عجبت من الرجل، ومررت بالغلام، فنفوذ الجرّ بحرفه إلى ما بعد التعريف يدلّ على أنّ حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجارّ والمجرور.
وإنّما كان كذلك [3] لأنّه في نهاية اللطافة والاتّصال بما عرّفه. وإنّما كان كذلك لأنه على حرف واحد ولا سيّما وهو ساكن [4] .
ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين كقد وهل لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور، لأنّ «قد» و «هل» كلمتان بائنتان قائمتان بأنفسهما. ألا ترى أنّ أصحابنا أنكروا على الكسائي وغيره في قراءته [5] : { «ثُمَّ لْيَقْطَعْ» } بسكون اللام.
(1) سورة يونس: 10/ 59.
(2) سورة الأنعام: 6/ 144.
(3) في طبعة بولاق: = ذلك =.
(4) في طبعة بولاق والنسخة الشنقيطية: = ولا سيما ساكن =. وقد أثبتنا رواية شرح المفصل.
وفي حاشية طبعة هارون 7/ 200: = وانظر ابن يعيش 9: 18س 2حيث أرى أن يعيش إنما يلخص كلام ابن جني =.
(5) سورة الحج: 22/ 15.