فهرس الكتاب

الصفحة 905 من 922

ففي قبرص مثلًا يمكن أن نرى بشكل سطحي، أن غريفاس حصل على جلاء البريطانيين بواسطة الابتزاز، وأنه لم يجبرهم على الرحيل. إن ذلك صحيح إذا نظرنا إلى مسألة من اتجاه معين، لكن يجب رؤية الأمور جيدًا، ومن جميع الزوايا. إن غريفاس ومجموعته الصغيرة من الإرهابيين لم يكونوا ليقدروا على تحقيق تلك النتيجة، دون المعونة الإيجابيةوالسلبية للأغلبية العظمى من القبارصة، ولقد كانت (إيوكا) تشكل تعبيرًا عن الإرادة الشعبية، لذا فإنه لم يكن بوسع البريطانيين البقاء، إلا إذا شنوا الحرب على كل السكان. ففضلوا الرحيل، تمامًا كما حصل في ايرلنده.

وناه أمثلة أخرى أكثر وضوحًا. فلم يكن باتيستا قادرًا على قتال الثوار دون أن يقاتل الشعب الكوبي. وفي النهاية، ظهرت موارده غير كافية لهذا العمل، فانهار نظامه.

ولقد حاول الفرنسيون الاحتفاظ بمصالحهم في الهند الصينية والجزائر، فحملوا السلاح ضد الإرهابيين، ووجدوا أنفسهم في كلتا الحالتين، يشنون معارك خاسرة مسبقًا، ضد المد الصاعد للانتفاضة الشعبية. وكان بإمكانهم من الناحية النظرية إخضاع الجزائر (كما جرى ذلك قبل قرن) ، عن طريق إنفاق مال أكثر، وتجنيد قوات أعظم، وتبنى أساليب أكثر صرامة. ولكن هل كان بإمكانهم فعل ذلك في العام 1962؟ كلا، لأسباب اقتصادية وسياسية داخلية، وبسبب الموقف العالي. ويمكننا أن نتساءل: ترى هل كلن النجاح يستحق العناء المطلوب لتحقيقه، حتى لو كانت الإرادة والوسائل متوافرة لتحقيقه.

هنا تكمن المسألة الحاسمة في عصرنا، في كل النزاعات بين القدرة العسكرية والانتفاضة الشعبية. وتواجه الولايات المتحدة اليوم هذه المسألة، أو أنها ستواجهها غدًا.

إن سيطرة دولة ما على مستعمرة، يستهدف استغلال هذه المستعمرة اقتصاديًا، أو الإفادة منها لخدمة هدف سياسي. ولا تقوم أي دولة بدعم نظام سياسي أو اقتصادي ضد آخر، إلا لأنها تنتظر الحصول على فوائد من النظام المدعوم. فالحكم هو جمع ثمار السلطة السياسية، مهما كانت طبيعة هذه الثمار.

ومع ذلك، وفي عصرنا هذا، لم يعد بالإمكان استعمار أو حكم بلد ما، أو تكريس سلطة حكومية محلية عملية - وبقول آخر استغلالها - دون موافقة المستغلين، فبقتلهم يقهر المستعمر نفسه، في حين أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت