ثم جاءت مرحلة ركود، نهض خلالها الغرب إلى مرحلة الثورة الصناعية، والتي أدت إلى اندفاع كميات هائلة من البضائع تحتاج إلى تصريف، وتحتاج إلى المواد الأولية ومخطط نهب، فلم يكن هناك من بد إلا بدء حملات صليبية مرة أخرى، وعمليات احتلال مرة أخرى.
وللحملات الصليبية الثانية شكل صليبي وعليه أدلة كثيرة، حتى أن الجنرال غورو الفرنسي لما دخل دمشق ذهب إلى قبر صلاح الدين وضربه بالسيف فكسر جزءا من الحجر وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين، ولما دخل الجنرال اللنبي الإنجليزي القدس وذهب إلى جبل الزيتون -والذي سيأوي إليه سيدنا عيسى بن مريم فيما بعد- ركز راية وقال: الآن انتهت الحروب الصليبية، وكان الإيطاليون لما دخلوا ليبيا حرضوا جيوشهم عليها بأسباب صليبية، وكان نشيد الجيش الإيطالي: أمي لا تبكِ علي فإني ذاهب لمقاتلة الكفار .. إلخ.
ومع ذلك، فإن الغزو والنهب الاقتصادي الذي حدث في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر، والذي كان لأسباب اقتصادية واضحة صاحبه أيضا غزو فكري وتبشير وصناعة عملاء وصناعة أجيال من المسلمين تابعة له، مكنته من متابعة ما كان يعمله بعد أن خرج، وسنعرض لهذا التفصيل لاحقا.
فهو يقول هنا أن حرب العصابات تؤدي إلى تدمير البنية الاقتصادية وخوف الحكومات على مصالحها، فالذي استفدناه أن حروب العصابات التي تكون ضد العملاء .. الآن الاستعمار خرج لأنه لم يعد يحتمل دفع فاتورة تكاليف الاستعمار بسبب ثورات الاستقلال من أقصى المغرب إلى أندونيسيا وكل المناطق، فلم يخرج إلا بعد أن وضع طبقة من المرتدين ومن العملاء الجاهلين أو العالمين ضمنوا له استمرار تدفق النهب والمواد الأولية، كما ضمنوا له استمرار التدفق المعاكس للمواد المصنعة والبضائع المستوردة.
فالاستعمار يريد على الصعيد الاقتصادي كما قلنا نهب الموارد وتصريف البضائع، فوضع مجموعة من العملاء، وكانت سورية من أوائل الدول استقلالا عام 1946 تقريبا، ثم تبعتها عدة دول، وكان آخرها استقلالا في أوائل السبعينات الساحل الإماراتي، واحتاجت كل هذه الدول لاستقلال فعلي بعد الاستقلال الشكلي.