فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 625

أما إذا خالف اجتهادُهم اجتهادَ مَن تَقَدَّمهم من الأئمة، فإنهم يبيِّنون ذلك أفصحَ بيان.

وفي هذا من الإشارة إلى حرصهم على الإخلاص، وبُعدِهم عن الرياء، والبَطَر بالعلم ما فيه عِبرة لكل طالب.

وإذا وافق نقدُ متأخِّر نقدَ مُتقدِّم دون عزو القول إليه، فلا يلزم من هذا تقليدُ المتأخر للمتقدم دون الإحالة والعزو؛ بل يُفهَم منه توافقُ اجتهادهما، فإن مِن بَرَكَةِ العِلم أن يُنسبَ إلى أهله، وقد كانوا - رحمهم الله تعالى - أحرصَ الناس على ذلك، وكان هذا خُلُقًا عامًّا في علماء السلف، لا في أئمة الجَرْح وحدهم.

قال الذهبي في"سِيَر أعلام النبلاء" (7/431) :"قال أيوب بن المتوكل: كان الخليل - أي الخليل بن أحمد الفراهيدي، الإمام اللُّغوي المشهور - إذا أفاد إنسانًا شيئًا، لم يُرِهِ بأنه أفاده، وإن استفاد مِن أحد شيئًا، أراه بأنه استفاد منه".

وروى السِّلَفِيُّ، عن العباس الدُّورِيِّ، قال: سمعتُ أبا عُبَيْدٍ يقول: مِن شُكْرِ العِلم: أن تستفيد الشيء، فإذا ذُكِرَ لك، قلتَ: خَفِيَ عليَّ كذا وكذا، ولم يكن لي به عِلم، حتى أفادني فلانٌ فيه كذا وكذا، فهذا شُكر العِلم. انتهى. ذَكَرَه السيوطي في"المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها" (2/273) . وفي"الجامع في أخلاق الراوي وآداب السامع"للخطيب البغدادي (2/152،153) أمثلة أخرى لذلك.

ثم إن المُرَجِّح لقَوْل أحد الأئمة في أي مسألة من المسائل المُختلَف فيها، يُعَدُّ قائلًا لذلك القول، ويُدرَج في قائمة القائلين به؛ لأنه ما قال به إلا بَعْدَ بحث وتفتيش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت