فهرس الكتاب

الصفحة 472 من 625

لكنهم ما كانوا ليكتفوا بذلك المنقول، ويستغنوا به عن البحث والتفتيش في مرويات الرواة، بل كانوا يُنَقِّبون عن ذلك، ويُعْمِلُونَ في كل راو اجتهادهم، فيوافقون الأئمة، أو يخالفونهم.

وقد لا يتيسر لكل واحد منهم بحثٌ مستقل في حال كل راوٍ، فيقتصر على النقل عمَّن تَقَدَّمَه من الأئمة النقاد.

وهذا سبيل عامٌّ لكل أهل العلم في كل فرع من فروعه، لا في الحُكْم على الرجال وحدهم؛ فإنه لا يستغني أحدٌ من العلماء - مهما علا كعْبُه - في علم من العلوم عن أقوال مَن تَقَدَّمَه مِنَ العلماء، فإن تَيَسَّر له التفتيشُ عمَّا أَتَوْا به من أحكام، فَعَلَ، فيوافق، أو يخالف، أو يُقَوِّم.

وقد حاز أئمة الجَرْح والتعديل القَدَحَ المُعلَّى في توقير مَن تقدم مِن أئمة السلف، ووضْع أقوالهم المنقولة عنهم فوق الرؤوس، وبين الأحداق، بَيْدَ أن الحق كان أحبَّ إليهم مِن كل أحد إذا تبين لهم.

وقد عَلِمَ الناظر في سِيَرِهم، والمُعتني بأحوالهم ما اتسموا به من همة عالية، تَبَزُّ الجبالَ مطاولتُها في البحث والتنقيب. ومِن ثَمَّ، فقد بذلوا أقصى ما يستطيعون لتقويم المرويات وسبر غورها لتمييز الصحيح من السقيم، ولم يَرضَوْا بالتقليد، والتبعية، مع توقيرهم لمَن تَقَدَّمَهم من الأئمة، ومعرفتهم لفضلهم.

وإذا تأمل الأخ الكريم في الأمثلة التي ضربناها آنفًا، تبيَّن له أنهم كانوا يقتصرون أحيانًا في حُكْمهم على الراوي، على النَّقْل عمن تَقَدَّمَهم من أئمة الشأن، وهذا يكون منهم غالبًا فيما إذا تبيَّن لهم - بَعْدَ البحث والتفتيش - صحةُ اجتهاد الأئمة في الحُكْم عليه، وقد يكون لعدم استقصائهم حالَ الراوي كما ذكرنا آنفًا.

وكونهم ينقُلون عنهم لا يفيد بالقطع أنهم ليس لهم بحث مستقل حول الراوي؛ بل يؤخذ منه توقيرُهم لمَن تَقَدَّم من الأئمة، وإيثارُهم النقلَ عنهم ما أمكنَ، شريطة أن يوافق ما نقلوه عنهم ما وصلوا إليه في شأن الراوي المُتَكَلَّم فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت