فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 619

مفهوم الناس لأفكارهم عبارة عن غربة، فقد كان يعتقد البعض أنهم جاءوا بدين مبتدع، تماما كما قالت قريش من قبل للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أنهم جاءوا بدين جديد يسفه دين آباءهم ويسبهم حين قال لهم قولوا لا اله الا الله فقالوا له تبا لك ألهذا جمعتنا (أجعل الآلهة ألها واحدا إن هذا لشعب عجاب) وقيل له أيضا أن العرب تقاتلك عليها، كانوا يشعروا أن الجهاد في سبيل الله هو التطبيق الحقيقي لمعنى لا اله الإ الله والذي تقاتلهم عليه العرب والعجم. وهو ما يجعل أعداء الإسلام ينفرون من الجهاد، كما كان أهل مكة من قبل ينفرون من معنى لا اله الا الله فأصبح الجهاد هو الحقيقة التي يقاتل عليها العرب والعجم. كانت الثلة المؤمنة تشعر أنها في غربة حقيقية، لكن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يدفعهم للعمل ويشحنهم حيث يقول صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء"أضحوا يعزون أنفسهم ويصفونها بالغرباء، وقد سمى أبو مصعب الزرقاوي نفسه فيما بعد بأبي محمد الغريب. كان الزرقاوي يقوم بنشر عقيدة التوحيد المبني على نبذ أشكال الشرك في طريقتها التقليدية بعبادة الأصنام. وربط صورها بالتشريعات الحالية، من خلال مجالس التشريع والدساتير الوضعية بقنواتها الدستورية، وكان يعتبرها مسالك شرك يجب نبذها ومعاداتها، وذلك لأنها مخالفة لطريق الأنبياء في التغيير ومخاصمة أقوامهم. دعوتهم تلك كانت ملازمة لتحريض الناس على الجهاد في فلسطين، فكلا التوجهين الدعوة والجهاد عندهم صنوان لا يفترقان ومن صلب الدين حسب منهجهم. الفكرة الأساسية التي انطلق منها الزرقاوي وصاحبه المقدسي هو فهمهم لحقيقة الولاء والبراء، التي جاء بها الأنبياء من قبل في خصومتهم مع أقوامهم، والتي لها تصور واحد قاموا بتجديده. وكانوا يعتبرون أن فكرهم التجديدي مبني على أصول الاسلام، إذ أن الولاء والبراء في فهم الشريعة، لا ينطلق من تصورات الناس وأفكارهم في التعامل مع خصوم الشريعة، إنما ينطلق من تطبيق عملي لتلك التصورات التي أبرزها الإسلام في تاريخه، وتعامل معها بنفس الطريقة، والتي تجلت أروع صورها مع أبي الأنبياء أبراهيم عليه السلام، ورسول الإسلام العظيم محمد صلى الله عليه وسلم مجدد ملة ابراهيم في الإتباع. وذلك أن الإيمان والكفر يتجددان في كل عصر ومصر، فكان لا بد من وجود ضوابط وميزان وتطبيقا عمليا يحكم كلا الحقيقتين في الإيمان والكفر. حينما تحدث سيد قطب رحمه الله بمضمون التوحيد وأصوله، وجدنا من ذهب إلى قشور ما يدعو اليه سيد قطب ونسوا مضمون خطابه، بل وصل الأمر ببعض المشايخ من يكفر سيد قطب ويخرجه من الملة المحمدية لجهله في فهم استيعاب مقاصد سيد رحمه، بينما رأينا مواقف أكابر العلماء أنصفت سيد قطب وجعلته"شهيد الإسلام"، وتصدت لحملات التشكيك وأقوال النشاز تلك، وكان إستشهاد أكابر العلماء بقولهم: أن سيد أسلوبه عالي، وأن خصومه لم يبلغوا درجة فهم النصوص التي يكتبها سيد قطب، فكانت لهم سبة مدى الدهر. كان الزرقاوي قريبا من واقع سيد في الفهم والتصور والخصوم، يرى أن من واجبهم الدعوة إلى التوحيد بمفهوم السلف الصالح التي هي مسؤولية تاريخية في عنقه، في حين يراد للناس أن تفهم منه غير المقصد الذي أراده، كان هذا التأصيل الذي طرحوه، ليس جديدا في الشرع، إنما وقع الجديد في تجديده وتنزيله على أرض الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت