من القرآن في أرض الجهاد بأفغانستان، وموفقا باستشهاده بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء وأئمة الإسلام واستدلالاتهم، ولا يتحدث في الشريعة بغير دليل، وحين يكون هنالك إشكاليات بينه وبين محدثه يطلب من محدثة الدليل، ويحرص أن يكون هنالك ميزانا بينه وبين من يختلف معه في وجهات النظر ليعود كلاهما مجددا إلى الكتاب والسنة ليلتقيان. أصبح أسلوب حديثه مع الآخرين وطبيعة ما تحويه أقواله وأفكاره من علم توحي للسامع أنه أمام رجل صاحب تجربة وعلم وفقه. حين يستمع له محدثه في الرقائق يجد السامع لقوله عجبا. يقضي وقتا طويلا في المطالعة والتعلم ويبحث عن تحقيق ما يصبو إليه. وكم كنت أرى معه كتب الأصول ينهل من معينها الثري وعلمها ويتذكر مواقف أصحابها. كان في غربته يعمل ليرتقي بنفسه حسب تصوره ويشعر بأن دينه يملي عليه ذلك في منهج التغيير. عندما عاد إلى بلده رأى أحوال الناس واهتماماتهم، وكان مستاء من إهتماماتهم، حتى الملتزمين منهم، لم تعجبه اهتماماتهم وتصوراتهم، كان يشعر أن اهتماماتهم لاتتعدى المصالح الآنية للدعاة، وحسب أبجديات الإسلام عنده، كان يتصور في غيره نقص البناء المنهجي، فيتألم قلبه وتهتم نفسه، لم يكن يرى أن العاملين للإسلام عندهم برامج للعمل الإسلامي الجاد تلك التي تواجه أعداء الإسلام بوسائل مكافئة. أراد المجاهد الدعوة والبناء. رأى ذلك البون الشاسع بين حاله حين تربى في كنف الجهاد بعزة المؤمن وشموخ المجاهد، وبين حاله في الدنيا وطلابها، والتي ضاعت فيها تكاليف الدين وأمانة العقيدة، تلك التي من أجلها كانت خلافة الأنسان في الأرض، وأرسل الله تعالى الرسل لأجلها. كان هذا الإنفصام الذي رآه في حال الناس وبعدهم عن الدين ومعالي الأمور يقلقه .. وأدرك أن اهتمامات كثير من الدعاة تصب في جوانب من الدين وليس الدين كله. تألم حين رآى أن الناس يصلون ويعبدون الله، لكنهم نائمين عن الجهاد مصدر قوتهم ومحل رفعتهم وسؤددهم، تلك الفريضة الغائبة والمنسية. رأى أن الإسلام بشموليته نورا يضيء الطريق ونار يحرق المعتدين، فأحرق قلبه وألهب مشاعره العزيزة والأبية ذل المسلمين واستنسار بغاة الكفار من يهود وصليبيين على المسلمين فتحرق للعمل ضدهم. في الوقت الذي تلهى المسلمون بدنياهم وملذاتهم وركنوا إليها، وأعطوها جل اهتمامهم في حين، أعطوا الدين فضول أوقاتهم، وأدى ذلك إلى ضياع المسلمين بغياب فريضة الجهاد (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه الا ان ترجعوا لدينكم) كان يرى أن ذل المسلمين الذي يعيشونه هو بسبب تركهم للجهاد، فكان لا بد حسب تصوره أن يعود الناس للجهاد ليعود لهم دينهم (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يا رسول الله، قال: لا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) كانت هذه الأحداث الجسام، تدفعه للعمل بفقه الجهاد وعقيدة التوحيد، فقام ينذر قومه من خلال ما تعلمه من فقه الجهاد (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر منهم من كل فرقة طائفة ليتفقهوا بالدين ويرجعوا الى قومهم لعلهم يحذرون) فقه حقيقة المعركة وقام ليعمل بمقتضاها، لإقامة دين الله عز وجل والجهاد في سبيل الله، وليقوم بأحياء وتنمية ثمرة الجهاد في قلوب المسلمين، حيث كان يرى أن كل مؤمن ومسلم هو ثمرة قابلة للنمو والعطاء، فأراد الداعية المجاهد أن يحي تلك الثمار بالدين والجهاد، أدرك ببصيرة المجاهد وعين المتعظ، حقيقة ما يجري على أرض الإسراء والمعراج في