فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 153

( وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون , إذا ماتوا وهم موحدون , وإن لم يكونوا تائبين , بعد أن لقوا الله عارفين مؤمنين , وهم في مشيئته وحكْمه , إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضلة , كما ذكر عز وجل في كتابة( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وإن شاء عذبهم في النار بعدله , ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته , ثم يبعثهم إلى جنته , وذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته , ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته , الذين خابوا من هدايته , ولم ينالوا من ولايته , اللهم يا ولي الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الكبائر جمع كبيرة , والكبيرة هي الذنب والمعصية الكبيرة .

والكبيرة أصلها وصف , لكن غلبت عليها الاسمية وأصبحت كأنها اسم مستقل , وإلا فهي صفة لاسم قبلها , أي المعصية الكبيرة أو الخصلة الكبيرة أو ما أشبه ذلك .

وقد اختلف العلماء في ضابط الكبيرة على أقوال كثيرة جدًا أوصلها بعضهم إلى أربعين قولا , لكن المهم منها أن الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الكبيرة: هي كل ذنب ثبت فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة بغضب أو لعنة أو نار , كالزنا والسرقة أو البراءة من الشخص الذي يفعل ذلك , كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( من غشنا فليس منها ) (1) .

وهذا التعريف من أحسن ما حدّت به الكبيرة لأمور منها:

أولا: أنه مضطرد منعكس , بمعنى أنه جامع مانع فلا يخرج منه شيء من الكبائر ولا يدخل معه شيء من الصغائر .

ثانيا: من مرجحات هذا التعريف أنه مروي عن السلف رضوان الله عليهم كبعض الصحابة , وبعض الأئمة الذين عرفوا الكبيرة بهذا التعريف .

وأما التعاريف الأخرى فكلها إما أن تكون جامعة غير مانعة أو مانعة غير جامعة أو لا جامعة ولا مانعة .

من التعاريف الأخرى قول من يقول إن الكبيرة هي كل ذنب اتفقت الشرائع على تحريمه , وهذا التعريف غير جامع , لأن الشرائع اختلفت في تحريم الخمر , فبعض الشرائع تحرمه وبعض الشرائع تبيحه , وعلى هذا التعريف يكون شرب الخمر صغيرة , لماذا ؟ لأن الشرائع اختلفت فيه , إذًا فهو غير جامع لخصال الكبيرة , وهو غير مانع أيضا , فإن هناك من الصغائر ما أجمعت الشرائع على تحريمها , فالكذب مجمع على تحريمه في جميع شرائع الرسل , والسرقة مجمع على تحريمها في جميع شرائع الرسل , ونجد في شريعتنا أن من الكذب ما هو صغيرة , مثلوا لهذا فقالوا: لو أن إنسانا كذب كذبة صغيرة لا يترتب عليها ضرر على أحد ولا فساد فإنها تعد من الصغائر , وكذلك من السرقة ماهو صغير , مثلوا لذلك فقالوا: لو أن أنسانا سرق حبة برٍّ أو تمرة من مخزن فيه مئات الأطنان , قالوا هذا ليس بكبيرة , وإن كان سرقة لعدم تعلق البال والاهتمام به لزهادته وقلته .

ومن الناس من قال إن الكبيرة ليس لها ضابط , لأن كل ذنب كبيرة بالنسبة لما دونه , صغيرة بالنسبة لما فوقه , وهذا يخالف ما جاء في القرآن والحديث من تسمية الذنوب كبائر .

ومنهم من قال الكبيرة هي كل ذنب سدّ باب المعرفة بالله وهذا لا ضابط له لأن الذنوب كلها قد تحجب الإنسان عن معرفة ربه وعن الإقبال إليه حتى الصغائر .

وهناك تعاريف كثيرة أخرى لا يتسع المجال لاستعراضها .

قوله: ( وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون ) هذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة , أن من مات من أمة محمد فإنه لا يخلد في النار , بل يكون إما أن يعامله الله سبحانه وتعالى بعفوه وفضله فيكفّر عنه سيئاته ويدخله الجنة من أول وهلة , وإما أن يعامله بعدله فيعذبه في النار بقدر ذنوبه ثم يخرجه منها إلى الجنة , فمآل الموحد إذا مات وعليه ذنوب مصرّ عليها - مآله إلى الجنة , سواء طهر في النار أو أدخل الجنة دون تعذيب , بشرط أن لا تكون هذه الذنوب شركا .

أما الشرك فلابد من أن يأخذ المشرك عقابه , فإذا كان شركه أكبر فإنه لابد له من النار ولابد له من الخلود فيها , وإذا كان شركه أصغر فإنه يعذب في النار ولابد , لقوله سبحانه وتعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) ولكن يخرج من النار بعد التطهير .

إذًا الفرق بين الشرك الأصغر والكبيرة أن الكبيرة قد يعفى لصاحبها وقد يؤاخذ , أما الشرك الأصغر فلابد أن يؤاخذ ولا بد أن يطهر في النار بقدر شركه .

فالفرقة الأولى: أهل السنة والجماعة يقولون من مات وهو مرتكب للكبيرة من غير توبة فإنه إما أن يعفو الله عنه وإما أن يدخله النار ثم يخرجه منها إلى الجنة .

ومنشأ مذهبهم هو الأخذ بأحاديث الوعيد وأحاديث الوعد والجمع والتوفيق بينهما وتخصيص العام وتقييد المطلق .

وأما غير أهل السنة والجماعة من فرق المسلمين فإن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة بارتكابه لهذه الكبيرة , يخرجونه من الإيمان ويحكمون عليه بالكفر ويخلدونه في النار إذا مات من غير توبة .

وأما المعتزلة فإنهم أيضًا يخرجونه من الإيمان بمقدار الكبيرة , ولكن لا يدخلونه في الكفر كما تفعل الخوارج , وإذا أخرجوه من الإيمان منهم من يقول هو في المنزلة بين المنزلتين - بين الإيمان والكفر - لا يسمى مؤمنا ولا يسمى كافرا , ومنهم من يقول هو فاسق ولكن في الآخرة إذا مات من غير توبة يتفقون مع الخوارج على أنه خالد مخلد في النار .

ومنشأ مذهبهم أنهم أخذوا أحاديث الوعيد وأهملوا أحاديث الوعد ونبذوها وراء ظهورهم .

الفرقة الرابعة: المرجئة المحضة كالجهم بين صفوان وأتباعه هؤلاء يقولون إن الكبائر لا تضر , فلا يضر مع الإيمان ذنب , أي ذنبٍ ارتكبه , سواء ارتكب المحرمات أو ترك الواجبات , فلو لم يصل ولم يحج , ولو ارتكب الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك فإنه لا يضره ذلك كله ما دام مؤمنا .

والإيمان عندهم هو معرفة الله , فما دام عارفا بالله فلا يضره ذنب .

ومنشأ مذهبهم أنهم اعتمدوا على نصوص الوعد وأهملوا نصوص الوعيد فلم يلتفتوا إليها .

(1) / رواه مسلم ( 101 ) وأبو داود ( 3452 ) والترمذي ( 1315 ) وابن ماجه ( 2224 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت