ــــــــــــــــــــــ
الشرح: يشير إلى قوله سبحانه وتعالى: ( وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) والميثاق معناه في اللغة العهد والعقد والله سبحانه وتعالى أخذ على عباده عقدًا وعهدًا أن لا يشركوا به شيئًا , ولكن هذا الميثاق وهذا الإشهاد هل هو إشهاد حقيقي أي كلمهم الله أو غير ذلك .؟ لأن العلماء صاروا في هذه المسألة على قولين .
القول الأول من يرى أن الإشهاد حقيقي , وأن الله سبحانه وتعالى استخرج ذرية آدم ووقفهم بين يديه وأشهدهم على أنفسهم قائلًا ألست بربكم قالوا بلى شهدنا , فأقروا بهذه الشهادة وآمنوا بها وصارت ميثاقا أخذه الله تعالى عليهم , و أصحاب هذا القول أخذوه من ظاهر قوله سبحانه وتعالى: ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) , وقد وردت أحاديث تعضد هذا القول , منها ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان - أي عرفة - فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قبلا , قال( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ) (1) .
وفيه أحاديث عن أبي هريرة (2) و أنس بن مالك رضي الله عنه (3) وغيرهما (4) .
القول الثاني أن هذا الإشهاد الذي أخذه الله على آدم وذريته ليس على هذا الوجه الذي قاله هؤلاء , بل الإشهاد معناه ما أقامه الله من حجج وآيات و بينات تشهد بوحدانيته سبحانه وتعالى وربوبيته وإلهيته .
وأصحاب هذا القول يقولون لم يحصل من الله سبحانه وتعالى استخراج لذرية آدم ولم يحصل منه كلام واستشهاد ولم يخرج منهم إيجاب و إقرار بلسان المقال , وإنما الاستشهاد هو نصب الأدلة والبراهين والآيات الكونية , فيكون الاستشهاد والإقرار بلسان الحال لا بلسان المقال , فكأن إقامته سبحانه وتعالى للآيات الكونية والشواهد الخلقية على وحدانيته - كأن هذا استشهاد منهم له وإقرار منهم له بأنه ربهم ومليكهم سبحانه .
وعلى القول الأول أكثر أهل الحديث وأكثر أهل التفسير .
وعلى القول الثاني أهل الكلام قاطبة .
وكذلك بعض أهل التفسير صاروا إلى القول الأخير , و اعترضوا على الاستدلال بالآية من عدة وجوه:
فقالوا إن الله سبحانه وتعالى قال: ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولو كان الأمر كما أشارت إليه الأخبار لقال وإذا أخذ ربك من آدم لكنه قال من بني آدم فكونه جعل الأخذ من بني آدم ومن ظهورهم لم يقل وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهره بل قال من بني آدم من ظهورهم فدل ذلك على أن المأخوذ عليهم الميثاق هم بنو آدم في الحياة الدنيا يعني بعد ولادتهم وبعد وجودهم في الدنيا أخذ عليهم الميثاق بهذه الآيات التي نصبها لهم .
ومما اعترض به على الإشهاد بظاهر الآية أن كل إنسان يولد وهو لا يذكر هذا العهد ولا يذكر هذا الميثاق فأي فائدة تكون في عهد وميثاق يولد الإنسان وهو لا يذكره ولا تقوم به حجة , والله سبحانه وتعالى أخبر أنه أخذ الميثاق لأجل أن تقوم المحجة على بني آدم , وإذا كانوا يولدون ويخرجون إلى الدنيا ويكبرون ويبلغون وهم لا يذكرون هذا الميثاق دل ذلك على أن المراد به شيء آخر غير ما أشارت إليه الأحاديث من استخراج ذرية آدم من ظهره كأمثال الذر .
وهذه الاعتراضات ظاهرة: ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ما قال وإذ أخذ ربك من آدم ولم يقل وإذ أخذ ربك من ظهره أيضًا , بل قال من ظهورهم .
بهذا يقول كثير من علماء التفسير وهو أن المراد بالإشهاد ما أودعه الله ونصبه من الدلائل والبراهين الكونية الناطقة بوحدانيته سبحانه وتعالى , وهذا البحث ذكره شارح الطحاوية في شرحه وأطال كثيرًا وهو نقله من كلام ابن القيم رحمه الله , وابن كثير في بعض كتبه أيضًا تكلم فيه , وأنت إذا تأملت نص الآية ترجح لك القول الثاني , وهو القول الذي يذهب إليه ابن القيم رحمه الله .
أما ما جاء عن انس رضي الله عنه كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يقول لأهون أهل النار عذابا: لو أن لك مافي الأرض من شيء أكنت تفتدي به ؟ قال نعم , قال: فقد سألتك ماهو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا الشرك ) (5) فإنه لم يذكر فيه الإشهاد , بل معناه أن الله أخرج ذرية آدم من ظهره فقط .
(1) / رواه احمد في المسند ( 2455 ) ت التركي , وابن أبي عاصم في السنة ( 202 ) والنسائي في الكبرى ( 11191 ) ومال ابن كثير إلى وقفه على ابن عباس كما فعل ابن أبي حاتم .
(2) / رواه الترمذي ( 3078 ) وابن أبي عاصم في السنة ( 205 ) والبيهقي في الأسماء والصفات ص 324 , وقال الترمذي حسن صحيح , وصححه ابن حبان ( 6134 ) والحاكم ووافقه الذهبي .
(3) / حديث أنس رضي الله عنه يأتي بعد قليل .
(4) / أنظر الدر المنثور 3/ 141- 145 وتفسير ابن كثير 2/ 261 - 464 والروح لابن القيم ص 211 - 216 .
(5) / رواه البخاري ( 3334 ) ومسلم ( 2805 ) .