فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 153

( ونحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم , ولا نتبرأ من أحد منهم , ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم , ولا نذكرهم إلا بخير , وحبهم دين وإيمان وإحسان , وبغضهم كفر ونفاق وطغيان )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الصحابي هو كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو صحبه وآمن به , وإن كانت صحبته ساعة من نهار , وكل الصحابة عدول بتعديل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم , فنؤمن بأن خير الأمة بعد نبيها هم الأربعة , أبو بكر وعمر وعثمان وعلي , وهم الخلفاء الراشدون المهديون , وفيهم كانت الخلافة والنبوة (1) .

وقد قال سبحانه وتعالى: ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ) وقال عز وجل: ( والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) الآية يعني المهاجرين والأنصار , وقال سبحانه وتعالى: ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلًا وعد الله الحسنى ) والقرآن فيه كثير من الثناء على الصحابة ومدحهم وبيان رضي الله سبحانه وتعالى عنهم , كما قال سبحانه: ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) .

لأجل هذا , ولأجل أنهم رضوان الله عليهم هم الذين ظهر الدين على أيديهم وعلى أكتافهم وهم الذين أعلوا كلمة لا إله إلا الله ورفعوا رايتها وجعلوها عالية فوق كل شيء .

ولأنهم هم الذين ضحوا بكل غال ورخيص في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر كلمة التوحيد , ضحوا بالأموال ضحوا بالأبدان ضحوا بالأهل ضحوا بالنفوس كل ذلك ضحوا به و أرخصوه في سبيل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرة دينه .

والذين هذا شأنهم وهذه صفاتهم لهم فضل كبير على الأمة رضي الله عنهم .

ومع هذه الفضائل كلها هم الذين نقلوا لنا الشريعة وأخذوها عن النبي صلى الله عليه وسلم سليمة خالية من الغش والباطل والفساد , نقلوها لنا نقية واضحة لا لبس فيها , فهم حلقة الوصل بين الأمة وبين رسولها صلى الله عليه وسلم في تحمل وتلقي الشريعة أصولا وفروعا .

لما كانت هذه ميزاتهم وهذه صفاتهم كان لهم علينا الحق الكبير .

فكان من خلاصة مذهب السلف في الصحابة رضوان الله عليهم أنهم يحبونهم ويتولونهم ويترضون عنهم ويبغضون من يبغضهم ويتولون من يتولاهم , ويعتقدون لهم الفضل الكبير على من دونهم , ولا يخوضون فيما حصل بينهم من خلافات ونزاع وحروب , ويمسكون عما شجر بينهم مطلقا .

إذ من المعلوم أنه حصلت فتنة بين عثمان رضي الله عنه وبين الذين ثاروا عليه وخلعوه , وبين عائشة رضي الله عنها والزبير وطلحة رضي الله عنهم من جهة و بين علي بن طالب رضي الله عنه من جهة في حرب الجمل , وما حصل بين علي ومعاوية رضي الله عنهما أيضا في حرب صفين .

هذه كلها فتن وجدت في الإسلام بسبب كيد اليهود , لأنها كلها وراءها اليهودي ابن سبأ الذي جاء مدعيا للإسلام , فأوقع هذه الفتن بين المسلمين .

فمذهب السلف رضوان الله عليهم فيما وقع بين الصحابة الإمساك عنه وعدم الخوض فيه , واعتقاد أن كل فريق منهم إما أن يكون مجتهدا مصيبًا له أجر اجتهاده وأجر إصابته , وإما أن يكون مجتهدًا مخطئا له أجر اجتهاده وخطؤه مغفور .

ويقولون إنما حصل منهم نزر يسير إذا نسب إلى ما لهم من الفضائل والكرامات والأعمال الصالحات .

والناس في مسألة الصحابة وموالاتهم ثلاث فرق:

الفريق الأول: أهل السنة والجماعة مذهبهم ما ذكرته قبل قليل .

الفريق الثاني: الروافض , و الروافض مذهبهم موالاة بعض الصحابة من آل البيت ومعاداة جل الصحابة وتكفيرهم .

فيوالون عليًا وآله ونزرًا يسيرًا من الصحابة كسلمان الفارسي , ويعادون جميع الصحابة ويبغضونهم بل ويكفرونهم .

وأشد الصحابة بغضا عند الروافض أبو بكر وعمر وعثمان .

الفريق الثالث: النواصب , وهم قوم عادوا أهل البيت وأبغضوهم ونصبوا لهم العداء وجعلوا سبهم وشتمهم مذهبا من مذاهبهم , وهذا ظاهر في بعض حكام بني أمية وأتباعهم , فإنهم نصبوا العداء وكرهوا أهل البيت , وجعلوا سبهم وشتمهم ديدنهم حتى إنهم جعلوا في خطبة الجمعة فصلا ثابتا لسب بعض أهل البيت وشتمهم , إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله فأبطل هذه البدعة وهذه الضلالة وأزال الفصل من الخطبة وجعل بدلا منه آية كريمة وهي قوله تعالى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) .

و النواصب ينصبون العداء لأهل البيت فقط أما بقية الصحابة فإنهم لا يعادونهم بل يوالونهم .

ولهذا قال شيخ الإسلام رحمة الله في الواسطية وغيرها:

إن أهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله بين الرافضة والنواصب , فالرافضة يغلون في آل البيت ويكفرون من عداهم , والنواصب يبغضون آل البيت ويسبونهم ويوالون من عداهم , لكن أهل السنة والجماعة يحبون الجميع ويوالون الجميع ويترضون عن الجميع ويتولون الجميع .

وهناك بحث حول رواية الصحابي وقوله ومن هو الصحابي , وهذا موضوعه مكان آخر .

أما درجات الصحابة وفضلهم فقد ذكر العلماء في كتبهم وبينوا أنهم على درجات مختلفة , فمثلا منهم من شهد النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة كالعشرة المبشرين بالجنة وكثابت بن قيس بن شماس (2) وغيره , ومنهم من دون ذلك , ومنهم أهل بدر الذين أطلع الله عليهم فقال: ( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) (3) ومنهم أصحاب بيعة الرضوان (4) , ومنهم السابقون الأولون , ومنهم من هم دون ذلك , فدرجات الصحابة رضوان الله عليهم مختلفة حسب فضلهم وقدم إسلامهم .

يدل على هذا أنه عليه الصلاة والسلام غضب على خالد بن الوليد , وهو كما يُعلم من فضلاء الصحابة ومن خيرتهم , غضب عليه لما حصل بينه وبين عبد الرحمن بن عوف خلاف في بعض مسائل الغنيمة , غضب غضبا شديدًا وقال وهو يخاطب خالدا ( لا تسبوا أصحابي والذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ) (5) يعنف خالدا سيف الله , يقول له لا تسب صاحبي عبد الرحمن بن عوف , فأنت لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما بلغ جبلك هذا مد عبد الرحمن ولا نصيفه , فهذا يدل على فضيلة سبق الصحبة والتقدم والإبلاء في الجهاد والإنفاق وغير ذلك .

(1) / هذا التعريف منقول من كتاب الشيخ حمود رحمه الله: مختصر عقيدة أهل السنة والجماعة .

(2) / رواه البخاري ( 3613 ) ومسلم (119) .

(3) / رواه البخاري ( 3007 ) ومسلم ( 2494 ) .

(4) / في صحيح مسلم ( 2496 ) قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد , الذين بايعوا تحتها ) وفي مسلم أيضا ( 2495 ) أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لغلام حاطب بن أبي بلتعة: ( كذبت , لا يدخلها - أي النار - فإنه شهد بدرا والحديبية ) .

(5) / رواه البخاري ( 3673 ) ومسلم ( 2540 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت