( وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا , وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه , على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضوان الله عليهم )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: من أصول مذهب أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر في البرزخ لمن كان أهلا لذلك .
والبرزخ في اللغة: الفاصل كما في قوله تعالى ( وجعل بينهما برزخا ) , وسميت الفترة التي تبدأ بموت الإنسان وتنتهي ببعثته يوم القيامة برزخا لأنها تحجز بين الدنيا والآخرة , وقد أشار القرآن إلى البرزخ في قوله سبحانه تعالى: ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون . لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) .
ومن أصرح الأدلة على عذاب القبر من كتاب الله قوله عز وجل: ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) .
ومن أصرح ما ورد في السنة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: ( إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير - وإنه لكبير - أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ) ثم دعا بجريدة فشقها نصفين ثم وضع على كل قبر شق ثم قال: ( لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا ) (1) .
مر بقبرين فقال ( إنهما ليعذبان ) خبر بمؤكدين ( إن ) و ( اللام ) لأن الخبر تارة يكون مجردًا وتارة يكون مؤكدًا , فالمجرد لو قال: يعذبان صاحبا هذا القبر أو صاحبا هذا القبر يعذبان , هذا خبر مجرد مرسل عن التوكيد لكنه قال ( إنهما ليعذبان ) واللام هنا موطئه للقسم والخبر منه صلى الله عليه وسلم إذًا فنقطع بأن عذاب القبر يقع في البرزخ وأنه حق .
ومن أدلة عذاب القبر ونعيمة أيضا حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان العبد المؤمن في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة جاءته ملائكة كأن وجوهم الشمس , فجلسوا منه مد البصر , ثم يأتي ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: أيتها الروح الطيبة أخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج تسيل كما تسيل قطرة من فيّ السقا , فيأخذها ملك الموت فإذا أخذها لم يدعها ملائكة الرحمة في يده طرفة عين - وأخبر أن مع كل واحد منهم كفن وحنوط من الجنة , فيضعون الروح في هذه الأكفان ويصعدون بها إلى السماء ثم يؤمرون بالرجوع بها إلى صاحبها - قال فيفسح له في قبره مد بصره , ويفتح له باب إلى الجنة ويرى منزله فيها , ويأتيه من روح الجنة ونعيمها من هذا الباب الذي فتح له )
فهذا شاهد على نعيم القبر .
قال: ( وإذا كان العبد الكافر في انقطاع من الآخرة وإقبال على الدنيا نزلت ملائكة سود الوجوه ومعهم المسوح - والمسوح هي نسيج من الصوف الخشن لكنها من نار - ويأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه ويقول أيتها الروح الخبيثة أخرجي إلى غضب من الله وعذاب , أو كما قال صلى الله عليه وسلم قال فتتفرق في بدنه لا تريد الخروج إلى هذه العذاب , قال فيجتذبها وينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول - السفود الشوك إذا علق بالصوف يصعب جدا انتزاعه منه لاسيما إذا صار الصوف مبلولا - قال فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يضعوها في تلك الأكفان - والعياذ بالله - فيصعدون بها إلى السماء ثم لا يفتح لهم ويطرحونها في الأرض طرحا فتذهب إلى جسد صاحبها ثم يقعد ويفتح له باب إلى النار ويأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره - والعياذ بالله - حتى تختلف إضلاعه ) (2) .
نسأل الله العافية , وهذا من شواهد عذاب القبر والحديث مخرج في السنن , والآثار من ذلك كثيرة , منها أن يهوديتين دخلتا على عائشة رضي الله عنها فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم , قالت: فكذبتهما , ولم أنعم أن أصدقهما فخرجتا , ودخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم فقال: ( صدقتا , إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم ) (3) .
وأما المعتزلة وبعض الملاحدة من فلاسفة وغيرهم فإنهم أنكروا عذاب القبر وقالوا لا يعقل أن الإنسان إذا مات وتحلل جسمه وتحول إلى مواد أخرى لا يقبل العقل أنه يعذب أبدًا , ولكن هذا اتباع للعقول الفاسدة التي هي أحقر من أن تدرك تلك الأسرار وتلك الحقائق التي تكون غائبة عنا .
وعذاب القبر يكون للمقبور وغير المقبور , إذا مات الإنسان وهو مستحق لعذاب القبر عذب , وإذا مات وهو مستحق لنعيم القبر نعّم , سواء قبر أو ترك على ظهر الأرض أو أحرق أو أكلته السباع فلابد أن ينال من عذاب القبر أو نعيمه ما قسم له , على الكيفية التي يريدها الله سبحانه وتعالى , ومعرفة حقيقة العذاب غير معرفة كيفية العذاب , فإن الذي أُمرنا به وكُلفنا به هو اعتقاد حصول العذاب وحصول النعيم أما كيف يكون العذاب وكيف يكون النعيم فهذا لم يخبرنا عنه المعصوم ولن تشاهده عقولنا وتطلع عليه , فالله سبحانه وتعالى طوى علمه عنا فلا نكلف أنفسنا بالتخرص والتحري , فإذا كان كذلك فعلينا إذًا علينا أن نكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى , فنقول يعذب في قبره وينعم في قبره على كيفية يعلمها الله سبحانه وتعالى .
والعذاب والنعيم:
قيل للروح والجسد جميعا وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة , إلا أن نصيب الروح منه أكبر من نصيب الجسد .
وقيل للروح فقط , وهذا قول ينقل عن بعض أهل السنة .
وقيل للجسد فقط , وهذا قول باطل لا يدل عليه دليل .
أما القول الأول فهو مذهب أهل السنة والجماعة , بدليل العمومات , كحديث البراء بن عازب: ( إذا كان العبد في انقطاع من الدنيا ..) (4) الحديث , والعبد اسم للروح والجسد جميعا .
وابن القيم رحمه الله ذكر أن للروح في الجسد ثلاث تعلقات (5) :
1 -تعلقها به في الدنيا وهذا تختلف فيه الأحكام , أحكام النعيم والعذاب بين الروح والجسد .
2 -وتعلقها به في البرزخ وهذا تختلف فيه أيضا الأحكام .
3 -وتعلقها به بعد البعث أي يوم القيامة .
قال: فأما في الدنيا فالعذاب والنعيم يكون للبدن , وينال الروح قسط منه على سبيل التبعية , فإذا تعذب البدن تعذبت الروح وإذا تنعم البدن تنعمت الروح , ولكن عذاب البدن وعذاب الروح أقوى , فإذا كان في البرزخ انعكس الأمر فيكون العذاب والنعيم للروح والبدن , ولكن نصيب الروح من العذاب والنعيم أقوى من نصيب البدن , فتعذب الروح ويعذب البدن تبعا للروح , وأما في الآخرة فيكون العذاب والنعيم للروح والبدن جميعا , وكل من البدن والروح يحس بالعذاب إحساسا كاملا .
(1) / رواه البخاري ( 6055 ) ومسلم ( 292 )
(2) / حديث طويل رواه أبو داود ( 4753 ) و أحمد في المسند ( 18614 ) ت التركي وغيرهما , وصححه ابن القيم في الروح ص 76 .
الشيخ رحمه الله ذكر الحديث مختصرا , وله أصل في الصحيحين رواه البخاري ( 1369 ) ومسلم ( 2871 ) .
(3) / رواه البخاري ( 6366 ) ومسلم ( 586 )
(4) / سبق تخريج الحديث قبل قليل .
(5) / الشيخ حمود رحمه الله نقل هنا كلام ابن القيم باختصار , وقد ضمّن التعلقات الخمس التي ذكرها ابن القيم بهذه الثلاث . انظر شرح الطحاوية ت التركي ط2 ص 578