ــــــــــــــــــــــ
الشرح: صفات الباري سبحانه وتعالى في اصطلاح العلماء ثلاث أقسام: صفات ذاتية وصفات فعلية وصفات اصطلحوا على تسميتها: خبرية .
فأما القسم الأول: الصفات الذاتية , وهي صفات الذات التي تلازم الذات كالعلم و الحياة و القدرة و الإرادة و السمع و البصر و الكلام , وهذه هي التي أثبتتها الأشاعرة والكلابية والماتريدية , وقالوا: إن العقل يثبتها فأثبتوها , وأما ما عداها من الصفات فقد نفوها .
وطريقة إثبات الصفات السبع بالعقل عندهم: يقولون إن الإحكام الموجود في الخلق يدل عقلا على العلم , والتخصيص الموجود في المخلوقات يدل على المشيئة والإرادة قالوا وهذه الصفات لا تكون إلا للحي , ثم الحي لا يخلوا: إما أن يكون سميعا بصيرا متكلما أو أصم أعمى أبكم , والصفات الأُول أكمل فيكون الله سبحانه وتعالى مستحقا لها بالعقل , هذه الصفات السبع أثبتوها بالعقل بهذه الطريقة وقالوا ما عداها فإن العقل لا يثبته وإذا كان العقل لا يثبته فإننا لا نثبته , وقد رد عليهم شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إن إثباتكم هذه الصفات السبع ونفيكم ما عداها لا يصلح الاستدلال عليه بالعقل لأن العقل وإن دل على هذه الصفات السبع فإنه يدل على غيرها أيضا بالطريقة التي استدللتم بها , وأيضا العقل لا ينفي هذه الصفات الزائدة على الصفات السبع , وإذا كان العقل لا ينفيها فلا يجوز لكم نفيها , لاحتمال أن تكون ثابتة بدليل آخر لأن انتقاء الدليل المعين لا يدل على انتقاء المدلول المعين فقد يكون الأمر منتفيا عنه دليل ما مخصوص لكن يوجد دليل آخر يثبته وهذا هو الواقع في صفات الباري سبحانه وتعالى , فعلى تسليم أن العقل لا يدل على ما عدا الصفات السبع فإنه لا ينفيها وكونه لا يدل عليها لا يقتضي انتفاؤها لأنه يمكن أن تكون ثابتة بدليل آخر كما هو الواقع , فإذا أثبت لهم أن العقل أثبت الصفات السبع فإن صفات الباري سبحانه وتعالى ثابتة بالسمع أيضا , والسمع دليل سالم من المعارض فيجب القول به .
وقد أجابهم رحمه الله بطريقة أخرى فقال: إنه يمكننا أن نثبت ذات الصفات بالعقل بالطريقة التي أثبتم بها الصفات السبع , فكما أنكم استدللتم بالإحكام على العلم واستدللتم بالتخصيص على المشيئة فإننا نستدل على الرحمة بالإحسان , فإحسانه إلى عباده يدل على صفة الرحمة , وإكرامه لأوليائه يدل على صفة المحبة وعذابه وانتقامه من أعدائه الكافرين يدل على صفة الغضب عقلا , فالطريقة التي أثبتم بها الصفات السبع نثبت بها أيضا باقي الصفات .
القسم الثاني: الصفات الفعلية وهي التي يفعلها إذا شاء ويتركها إذا شاء كالنزول والاستواء والمجيء والغضب والرضا والمحبة والرحمة وغير ذلك من صفات الفعل . وهذه تسمى صفات فعلية وتسمى صفات اختيارية .
القسم الثالث: اصطلح العلماء عليه - وخصوصا علماء الكلام - على تسميتها بالصفات الخبرية , والصفات الخبرية هي اليد والقدم والأصبع والعين و الساق وغيرها (1) , ومثل هذه الصفات الخبرية يقول من أثبتها: جاء بها الخبر فننثبتها لأجل الخبر الصحيح السالم من المعارض , ولكن السلف رضوان الله عليهم يثبتون هذه كلها على سبيل أنها لا تماثل شيئا من صفات المخلوقين , ويثبتونها لأن الخبر أثبتها , فكل صفاته تخصه وإن اشتركت في الاسم فإنها تختلف عند الإضافة والتقييد , فمطلق علم , مطلق حياة , مطلق بصر , مطلق كلام , هذا قبل الإضافة والتقييد يصلح لكل من يتصف به لكن إذا أضيف تقيد بمن يضاف إليه , فقولك علم الله حياة الله سمع الله بصر الله هذا يفصل العموم الموجود في العلم والسمع والبصر والحياة - يفصله ويضيفه إلى الله سبحانه وتعالى , فيكون لائقا بجلاله وعظمته , فكما أن له ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين .
ووجه غلط النفاة المعطلة ظنهم أنه إذا حصل اشتراك في الاسم فإنه يلزم اشتراك في المسمى , فقالوا ما دام أننا نرى صفة الحياة وصفة العلم وصفة البصر وصفة الغضب وصفة الرضا لا نشاهد - في العالم الشاهد الحاضر - لا نشاهد شيئا متصفا بها إلا وهو جسم فلو أثبتناها لله سبحانه وتعالى للزم أن يكون جسما ولكن هذا يرد بأن الصفات التي يشاهدونها ويرونها هذه تليق بمن قامت بهم وهم المخلوقون أما الله سبحانه وتعالى فصفاته قائمة بذاته وتناسبه , كما أن ذاته لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات .
وقوله: ( لا يفنى و لا يبيد ) هذا تأكيد لدوامه سبحانه وتعالى وصفة البقاء والدوام لله سبحانه وتعالى من صفاته الذاتية الواجبة له , فإذا كان كذلك انتفى عنه الفناء وانتفى عنه أن يكون من الأمور التي تبيد , فهو دائم سبحانه وتعالى لا يفنى يعني لا يجوز عليه الفناء ولا يجوز عليه أن يبيد أو أن ينعدم لأن دوامه كأزليته سبحانه وتعالى فكما أنه أزلي لا مبدأ لوجوده فكذلك هو دائم باق لا نهاية لدوامه , فلا يطرأ عليه الفناء , ولا يطرأ عليه أن يبيد أو ينعدم , لأن بقاءه واجب وجوبا ذاتيا لا يقبل العقل سواه , فإذا كان العقل لا يقبل سواه امتنع أن يطرأ عليه الفناء أو أن يطرأ عليه العدم , فهو دائم سبحانه وتعالى , ودوامه واجب لذاته , إذًا فلا يجوز عليه الفناء ولا يجوز عليه العدم .
(1) / أسموها خبرية لأنه لا يمكن إثباتها بالعقل ثم حرفوا معانيها باسم التأويل .