ــــــــــــــــــــــ
الشرح: جعله القديم من أسماء الله سبحانه وتعالى - السلف يتحفظون فيه , ويقولون إن القديم هو الذي يكون مسبوقا بالحدوث , وليس هو من الأسماء الواردة في الكتاب والسنة , لأن أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته توقيفية , لا يوصف بصفة ولا يسمي باسم إلا بما ثبت في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم , أما الذي ورد في القران وفي السنة وهو الذي يفضله السلف رضوان الله عليهم فهو الأول , لأنه جاء في القران قوله سبحانه وتعالى ( هو الأول والأخر والظاهر والباطن ) وجاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله علية وسلم: ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء .. ) (1) الحديث , وأما القديم فقد أطلقه الطحاوي رحمه الله هنا وتحفظ بعض أهل السنة في إطلاقه وقالوا الأولى بالاستعمال ما ورد , وإن كان الطحاوي رحمه الله يقصد بالقديم هنا الأول قطعا , ولا يقصد بالقديم الذي سبقه حدوث , لأنه من أهل السنة والجماعة وليس من أهل البدع أو أهل المذاهب المنحرفة , ولذا قال: ( قديم بلا ابتداء ) , أي قديم لا بدء لوجوده سبحانه وتعالى , لأن وجوده سبحانه وتعالى واجبٌ , والواجب لا أول له , واجب عقلا لا يقبل العقل سوى أوليته سبحانه وتعالى , فهو لا يريد القديم بمعناه المقابل للحديث وإنما يريد بالقديم هنا الأول .
وقوله: ( قديم بلا ابتداء ) يحسن أن يبحث هنا مسألة بدء الحوادث وخلاف الناس فيها , فمسألة بدء الخلق ونهايته - وهي التي تعرف عند العلماء بتسلسل الحوادث - افترق الناس فيها على ثلاثة مذاهب:
فالمذهب الأول مذهب أهل السنة والجماعة: وهو أن الحوادث متسلسلة في الماضي كما هي متسلسلة في المستقبل .
ويقابله المذهب الثاني مذهب الجهم بن صفوان وأتباعه وهو أن الحوادث ليست متسلسلة في الماضي كما أنها ليست متسلسلة في المستقبل .
المذهب الثالث مذهب الأشاعرة ومن سار على طريقهم كالكلابية والماتريدية , وهو أن تسلسل الحوادث مستمر في المستقبل ولكنه منقطع في الماضي .
أما أهل السنة والجماعة فقالوا إن الله سبحانه وتعالى كما أنه لم يزل موجودا ولا أول لوجوده فهو لم يزل فاعلًا ولا أول لفعله لكن أفعاله سبحانه وتعالى تحدث شيئًا بعد شيء , يعني خلقه للسموات حادث لكن قبله خلق آخر وقبل ذلك الخلق خلق وهكذا , إنما كل أمر أحدثه الله سبحانه وتعالى فهو أحدثه من العدم ولكنه ليس هو الأول بل قبله محدث وذلك المحدث حادث من العدم وليس هو الأول بل قبله محدث وهكذا إلى ما لا نهاية في الأزل وإلى ما لا نهاية في الأبد , وأما الجهم بن صفوان وأتباعه فإنهم قالوا بانقطاع التسلسل في الماضي لأنه لو قلنا إن الحوادث لم تزل للزم أن تكون مماثلة لله ومشاركة له وهذا لا يجوز , هكذا يقولون , يعني إذا كان الله لا حدّ لأوليته والحوادث لا حدّ لأوليتها كانت مماثلة لله في الأولية , ولكنهم عموا عن أننا لا نقول إن كل حادث بعينه فهو أول لا أول له وإنما نقول كل حادث بعينه فقد حدث من العدم وقبله حادث آخر وهكذا إلى ما لا نهاية .
وأما شبهتهم في انقطاع التسلسل في المستقبل فهم يقولون لو قلنا بالدوام للزم أن تكون هذه الحوادث مماثلة لله في البقاء والدوام وهذا شرك لا يجوز , وعموا عن كون تسلسل الحوادث في المستقبل كدوام الجنة والنار ودوام أهلها ودوام إحداث النعيم فيها , نسوا الفرق بين ذلك وبين دوم الله وبقائه سبحانه وتعالى , فإن صفة البقاء وصفة الدوام لله سبحانه وتعالى واجب لذاته , وأما الحوادث كالجنة والنار ومن فيها فهذا دائم لإدامة الله له وليس دائما لذاته بل الله أراد أن يدوم فدام , وإلا فهو ممكن وليس بواجب الدوام والبقاء .
وأما المذهب الثالث وهو مذهب الأشاعرة ومن معهم وكذلك المعتزلة فهؤلاء يقولون إننا لا بد وأن نضع للحوادث حدا في الأزل لأن الله سبحانه وتعالى يجب أن يتفرد بالوجود من غير أن يكون معه موجود , ولكن بعد مددٍ متطاولة حدث له الفعل والإحداث , وهذا يرد عليهم بأنه يلزم عليه أن يكون الله سبحانه وتعالى - مددًا متطاولة - لا يفعل ولا يحدث ولا يخلق , والفعل والإحداث كمال , فيلزم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى ناقص في ذلك الوقت الذي جردوه فيه عن الفعل والإحداث تعالى الله وتقدس .
فالأشاعرة والكلابية يقولون: التسلسل في الماضي له حد وكذلك الجهمية لكن بينهم فرق , فالجهمية والمعتزلة يقولون كان التسلسل في الماضي منقطع وهو ممتنع على الله , بمعنى أن الله سبحانه لو أراد أن يحدث لما قدر وهو مستحيل عليه الفعل في ذلك الوقت وممتنع , والأشاعرة يقولون الفعل كان ممكنا والله قادر عليه لكنه ما أراد أن يفعل في تلك الأوقات المتطاولة في الأزل , وعلى كل فهذا مختصر ما قيل في مسألة الحوادث ونهايتها .
فقول الطحاوي رحمه الله: ( قديم بلا ابتداء ) يعني أنه أول لا نهاية لأوليته وهذا لا يمنع من أن يكون لا حد ولا أولية لأفعاله و إحداثاته سبحانه وتعالى .
لما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن جنس الحوادث لا أول لها وأما إفرادها فلها أول , قال خصومه: إن قولك لم يزل سبحانه وتعالى يفعل ويحدِث يلزم منه أن تلتقي مع الفلاسفة في قدم الحوادث , ولكن فرق بين مذهب الفلاسفة ومذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى والسلف في قدم الحوادث , فإن الفلاسفة يقولون: إن كل جزء من العالم فهو قديم لم يسبقه حدوث , لأن كل جزء فهو من جزء من آخر , وكل جزء من جزء آخر , ولا يوجد شيء عند الفلاسفة وجد من العدم بعد أن لم يكن , بل العالم قديم والأجزاء التي توجد بعضها بعد بعض كلها متولدة من العالم القديم , وهذا فرق .
والجهمية قالوا: إنه يستحيل أن يكون معه سبحانه مثيل في الأولية , إذ لو قلنا إنه يوجد معه محدثات لكانت مماثلة له في الأولية والقدم , ولكنهم غفلوا عن أنه لا يوجد محدثات بعينها قديمة أزلية , يعني جنس الحوادث قديم وأما أعيانها وأفرادها فهي حادثة , فإذا كانت كذلك ما لزم المحذور الذي تخشاه الجهمية .
ونقول تقريبا لفهم ما يقصده السلف أو تقريبا لفهم الفرق بين مذهب الفلاسفة ومذهب أهل السنة و الجماعة:
نحن نقول هذه الأرض محدثة لكن هل أحدثت من شيء قبلها ؟ نقول محدثة من العدم , كانت في وقت ما معدومة ثم أحدثها سبحانه , لكن ليست هي أول ما حدث بل قبلها العرش والعرش خُلق من العدم لا من شيء آخر وقبل العرش عالم والعالم خُلق من العدم لا من شيء آخر وقبل ذلك العالم عالم لكن ذلك العالم حدث من العدم , وهكذا يتسلسل الأمر والأفعال والحوادث إلى ما لا حد لذلك , والذي يلزم هو المحذور الذي يكون في مذهب الفلاسفة وهو أن العالم بعينه لا أول له , هذا الجدار لا أول له أبدا لأنه خلق من الاسمنت والحصى , والاسمنت والحصى خلق من شيء آخر والشيء الآخر خلق من شيء آخر إلى ما لا نهاية , فهم لا يعتقدون بأن هناك جزء من العالم وجد من العدم , الذي عند الفلاسفة أن كل جزء من جزء قبله , وهكذا إلى ما لا نهاية (2) .
(1) / رواه مسلم ( 2713 ) .
(2) / يأتي إن شاء الله مزيد توضيح عند جواب الشيخ على الإشكال الذي أورده الألباني حول كلام ابن تيمية ص 88