ــــــــــــــــــــــ
الشرح: الإيمان بالميزان من أصول أهل السنة والجماعة , وهو أن الله سبحانه وتعالى ينصب الميزان يوم القيامة و يزن أعمال العباد ليتبين ثقلها من خفتها .
والمعتزلة أنكروا ذلك وقالوا هذا غير صحيح ولا يعقل وقد أنكروه بشبهتين:
الشبهة الأولى: قالوا الله سبحانه وتعالى عالم بأفعال العباد لا يحتاج إلى الميزان , الذي يحتاج إلى الميزان هو الفوّال والبقّال الذين لا يعرفون العواقب ولا يعرفون المقادير , أما الله سبحانه وتعالى فإنه عالم بأعمال العباد فلا حاجة به إلى وزنها .
الشبهة الثانية: قالوا إن الأعمال أعراض , والأعراض لا تقبل الوزن وليس لها ثقل حتى توزن , إنما الذي يقبل الوزن الأعيان .
لكن أجاب أهل السنة والجماعة عن هاتين الشبهتين فقالوا:
أما الأولى: فإننا نقول إن الله سبحانه وتعالى عالم بأعمال العباد قبل وزنها وأنه لا حاجة له إلى وزنها , ولكن يريد سبحانه وتعالى أن يُعذر من عباده , وأن يوقفهم على أعمالهم ويجعلهم يرون ميزانهم إذا ثقل أو خف حتى لا يحتجوا فإنهم إذا شاهدوا صحفهم تطيش وتخف عندها لا يمكنهم الاحتجاج أو الاعتذار .
وأيضا قالوا فإن الله سبحانه وتعالى يحب العدل ويريد أن يري عباده عدله , فإذا شاهدوها عرفوا أنه ما ظلم أحدًا .
وأما الشبهة الثانية: وهي قولهم إن الأعمال أعراض فأجابوا عنها بقولهم:
إن الله سبحانه وتعالى قادر على قلب الأعراض أعيانا , هو صحيحٌ أن الأعمال وإن كانت - كالصلاة والصيام - أعراضا لكن إذا كان يوم القيامة يجعلها الله سبحانه وتعالى أعيانا , كما ورد أن القرآن يأتي في صورة رجل يوم القيامة يجادل عن صاحبه ويحاج دونه , وكذلك الصيام , وقد ورد في الصحيح: ( اقرؤوا القران فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه , اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة ) (1) وكذلك ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يؤتي بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح فيقال لأهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ) (2) وليس المراد بالموت ملك الموت كما يغلط بعض الناس ويفهم ذلك , بل المراد بالموت الموت الذي هو مفارقة الحياة , وهو معنى من المعاني , ومع هذا يؤتى به في صورة كبش , فإذا كان الموت كذلك فإن الله سبحانه وتعالى يجعل الأعراض أجسادا تقبل الوزن وتوضع في الميزان , فبطلت هاتان الشبهتان .
ويبحث بعض العلماء في الوزن هل يكون للعمل أو للعامل أو للصحف ؟
من العلماء من قال الذي يوزن العامل نفسه , يجعل في كفة وأعماله في كفة أخرى , وهؤلاء يستدلون بأحاديث منها قوله عليه الصلاة والسلام حينما كان مع أصحابه في السفر قالوا تحت شجر الأراك وبدؤوا يجنون من ثمره , فعبد الله بن مسعود تسلق الشجرة ليجني للنبي صلى الله عليه وسلم من ثمرها , وكان دقيق الساقين وصغير الجسم وهناك ريح كانت تقلبه مع الغصن , فرآه الصحابة فضحكوا , فقال عليه الصلاة والسلام: ( مم تضحكون ) , قالوا: من دقة ساقيه يا رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام: ( والذي نفسي بيده إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد ) (3) هذا استدل به من يقول بأن العامل هو الذي يوزن , وكذلك جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ( يؤتي بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فيوضع في الميزان لا يزن عند الله جناح بعوضة ) (4) .
وهناك قول آخر يقول به السلف أن الصحف هي التي توزن , وهؤلاء استدلوا بحديث البطاقة حينما أوتي برجل وأخرج له تسعة وتسعون سجلا كلها مسودة بالسيئات , كل سجل منها مد البصر , فقال الله له: أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول: لا يارب , فيقول الله: أفلك عذر ؟ فيقول: لا يارب , فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة , فإنه لا ظلم عليك اليوم , فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله ) فيقول: احظر وزنك , يقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ - يعني ماذا تجدي ورقة مع هذه السجلات المائة التي كل وأحد منها مد البصر ؟ - فقال: ( إنك لا تظلم ) فتوضع السجلات في كفة و البطاقة في كفة , فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (5) , فترجح بالسيئات فينجو ويخلصه الله بهذه البطاقة ، قالوا هذا دليل على أن الصحائف هي التي توزن .
وهناك قول ثالث يقول إن الوزن للعمل وليس للعامل ولا للصحف , توضع السيئات في كفة والحسنات في كفة وأيهما رجحت كان لها الحكم , وهؤلاء مما استدلوا به قوله صلى الله عليه وسلم: ( الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان ) (6) , وقوله صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) (7) .
وجمع بعض العلماء بين هذه الأقوال فقال إنه يمكن وزن العامل والعمل والصحف جميعا ولا تعارض بين هذه النصوص التي وردت في هذه .
هذا ما يتعلق بهذه النقاط , وقد اختصرتها اختصارًا شديدًا جدًا , وإلا فكل نقطة منها تحتاج إلى محاضرة وقد كنت أدرس في الجامعة الميزان أجعل له محاضرتين والصراط محاضرتين والبعث أجعل فيه أكثر من عشر محاضرات , لكنني ضغطها لك باختصار زائد جدًا .
(1) / رواه مسلم ( 804 ) .
(2) / رواه البخاري ( 4730 ) ومسلم ( 2849 ) .
(3) / رواه أحمد في مسنده ( 3991 ) والبخاري في الأدب المفرد ( 237 ) وغيرهما بسند صحيح
(4) / رواه البخاري ( 4729 ) ومسلم ( 2785 ) .
(5) / رواه الترمذي ( 2639 ) وابن ماجه ( 4300 ) وسنده صحيح .
(6) / رواه مسلم ( 223 ) والترمذي ( 3512 ) .
(7) / رواه البخاري ( 7563 ) ومسلم ( 2694 )