فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 153

( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) لما ذكر ما ذكره من أسماء الله وصفاته فيما تقدم وبين مسلك أهل السنة والجماعة في ذلك أحب أن يذكر دليلًا يكون مرجعًا يعرف أنه مرجع لأهل السنة والجماعة وهو الأساس الذي تقوم عليه عقيدتهم وهو قوله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير لأن وصف الله سبحانه وتعالى على طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يثبتون له ما أثبته لنفسه من الصفات أو أثبته له رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل , وينفون عنه ما لا يليق بجلاله وعظمته نفيًا عامًا مجملًا خاليًا من التفصيل , وهذا المنطلق أخذوه من قوله سبحانه وتعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) وما يماثلها من الآيات الواردة في القرآن الكريم من إثبات الكمال لله سبحانه وتعالى على سبيل التفصيل ونفي النقائص والعيوب على سبيل الإجمال , فقوله ( ليس كمثله شيء) هذا نفي عام مجمل , ليس كمثله شيء ليس كالنفي المفصل عند المعطلة ليس بجسم ولا بعرض ولا بجوهر ولا كذا ولا كذا . ( ليس كمثله شيء ) الكمال لازم لمثل هذا النفي , لأنه إذا كان لا يماثله شيء من خلقه علم كماله سبحانه وتعالى .

أما الذين سلكوا طريق التنزيه والنفي على سبيل التفصيل , فهؤلاء يصلون بنفيهم وتفصيلهم إلى العدم فإذا كان ليس فوق العالم ولا داخل العالم ولا خارج العالم ولا متصلا بالعالم ولا منفصلا من العالم - يصلون في النهاية إلى أنه لا شيء .

وقوله: ( كمثله ) بعض المفسرين ولا سيما الذين يعتنون بتفسير القرآن من حيث اللغة يقولون إن الكاف هنا زائدة , والمعنى مفهوم بدونها , أي ليس مثله شيء , ومن المفسرين المحققين - كابن كثير رحمه الله وغيره - من لا يستسيغ إطلاق الزيادة في القرآن , وإنما يقولون ليس كمثله شيء أي لو فرض له مثل لم يكن لمثله مثل ، أي ليس مثل الله سبحانه وتعالى شيء , ومثل هذه الكاف تكون لتأكيد نفي المماثلة , والمعنى الثاني أسلم .

قوله: ( وهو السميع البصير ) فهذا معناه إثبات صفات كاملة لله سبحانه وتعالى متغايرة المعنى ليس معناها واحدا كما يقوله أهل الضلال والتعطيل الذين يقولون إن العلم بمعنى الحياة والحياة بمعنى السمع والسمع بمعنى البصر وكلها بمعنى واحد تدل على ذات واحدة , السلف يثبتون لله ما يثبتونه من صفات الكمال:

أولا: أن يكون الإثبات دليلهم فيه كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

ثانيًا: أن يكون على سبيل التفصيل لا على سبيل الإجمال الذي يوهم , كوصف المعطلة لله سبحانه وتعالى أنه موجود وجودًا مطلقًا أو أنه الوجود المطلق وأنه لا يجوز تقييد وجود الله سبحانه وتعالى بصفة بل يثبتون إثباتًا مجملًا , أما أهل الحق الذين استضاءوا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فإنهم يثبتون لله سبحانه وتعالى الكمال ولكن على التفصيل , فما ثبت في القرآن أثبتوه , ومالم يثبت فهم فيه على نوعين:

النوع الأول: إما أن يكون من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقا وباطلا , فهذا يمسكون عنه فلا يثبتونه ولا ينفونه .

مثل وصف الله بالجسم فهذا من الأمور التي لم يرد في الكتاب ولا في السنة إثباتها ولا نفيها فالسلف يتوقفون في مثل هذه لا ينفونها ولا يثبتونها وإنما يقولون: لا نثبت إلا ما أثبته الله ورسوله , ولا ننفي إلا ما كان نقصًا أو عيبًا في حقه سبحانه وتعالى , وسوف يأتي إن شاء الله زيادة بيان لهذا النوع (1) .

النوع الثاني: أن يكون فيها نقص وعيب فينفوه .

وهذه الآية ومثلها هي التي تغضب نفاة الصفات والمعطلة وتقض مضاجعهم , ولهذا يقال إن الجهم بن صفوان أو أحد أقرانه طلب من أحد القراء أن يقرأ قوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم , ولكن ذلك القارئ رفض , يقول شيخ الإسلام رحمه الله وغيره: حتى لو أطاعه وخان أمانته وكتب وهو العزيز الحكيم فإن العزة صفة والحكمة صفة , فيقع في مثل ما فرّ منه .

(1) / أنظر ص 58 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت