ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هاتان الصفتان من صفات الله تعالى , إحداهما من الصفات الفعلية الاختيارية وهي الخلة , والخلة هي خالص المحبة , والثانية صفة الكلام وهي من الصفات التي يؤمن بها السلف .
فأما الخلة فإن الله سبحانه وتعالى اتخذ إبراهيم خليلًا أو حبيبًا محبًَّا خالص المحبة , والنبي صلى الله عليه وسلم خليل الله كما قال عليه الصلاة والسلام: ( لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن صاحبكم خليل الرحمن ) (1) يعني نفسه صلى الله عليه وسلم , فالخلة ثابتة لمحمد صلى الله عليه وسلم كما هي ثابتة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام .
و الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ينكرون المحبة التي الخلة خالصها , ويقولون إن معنى المحبة أثر ينشأ في نفس المحِب بسبب ما يكون من المحبوب , والله سبحانه وتعالى منزه عن أن يؤثر فيه شيء , ولكن السلف رضوان الله عليهم يقولون إن الله وصف نفسه بالمحبة ووصفه رسوله بالمحبة فنثبتها له كما أثبتنا له سائر الصفات كما قال تعالى: ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) , فالله سبحانه وتعالى يُحِب ويُحَب , فالمحبة صفة تقوم بذاته سبحانه وتعالى تليق بجلاله وعظمته , ما دام أنه أثبتها لنفسه فلا يلتفت لقول متكلم أو معطل ضال - أنه يلزم من ذلك أن يؤثر فيه شيء من مخلوقاته , فإنه يحب أولياؤه وليس أولياؤه هم الذين جعلوه يحبهم , بل يحبهم وحبه لأوليائه صفة قائمة بذاته , كما أن رحمته وعلمه وكما أن حياته وسمعه وبصره صفات قائمة بذاته فكذلك رحمته , فالمحبة والخلة بمعنى واحد إلا أن الخلة خالص المحبة , كما قال البحتري (2) :
قد تخللتَ مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلًا
والخُلة بخلاف الخَلة , فالخَلة الحاجة والفقر , أما الخُلة فهي خالص المحبة .
قد يرد سؤال هنا يقول: قول أبي هريرة رضي الله عنه: ( أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث أن لا أنام قبل أو أوتر ) (3) إلى آخره , فكيف يقول أبو هريرة رضي الله عنه أوصاني خليلي والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( لو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ) ؟
الجواب أن يقال: إن الخلة في حديث أبي هريرة كانت من قِبل أبي هريرة , فهو الذي اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خليلًا بمعنى أنه أحبه حبًا وصل إلى درجة الخلة , أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه خليل الله ولم يتخذ خليلًا غيره .
أما الكلام فصفة من الصفات التي تقوم به سبحانه وتعالى , يتكلم إذا شاء ويترك الكلام إذا شاء , فهي صفة فعلية من حيث كونه يتكلم مختارًا , وصفة ذاتية من حيث كونها قائمة بذات الباري سبحانه وتعالى , وهذا معنى قول السلف إن الكلام صفة ذات من جهة وصفة فعل من جهة أخرى .
والناس لهم في كلام الله مذاهب ذكر الشارح منها قريبًا من تسعة مذاهب ولكن الصحيح منها مذهب أهل السنة والجماعة أهل الحق الذين قالوا: إن الله يتكلم كلاما حقيقيا بصوت وحرف يُسمع منه , إذا تكلم بكلام سمعه أهل السماوات وفهموا منه كلامه , وأكثر ما يكلم جبريل عليه الصلاة والسلام , لأن جبريل هو الذي ينزل بالوحي وهو الذي يخاطبه الله ويكلمه ويأمر نبيه على لسانه أو ينهاه على لسانه , كما قال صلى الله عليه وسلم: ( فينادي بصوت يسمعه من قرب كما يسمعه من بعد ) (4) , وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ) (5) , وهذا هو المذهب الحق , لكن اندفقت مذاهب باطلة , أولها:
مذهب الجهمية والمعتزلة هؤلاء يقولون: إن كلام الله مخلوق والله لا يتكلم ولا يكلم ولا ينادي ولا يناجي , ويقولون إن الكلام يحتاج إلى أسنان ولسان وشفتين وحلق والله سبحانه منزه عن ذلك , وهذا الكلام الضال يرد عليه من وجهين:
الأول: أن الكلام يحتاج إلى هذه الأدوات بالنسبة للمخلوق أما الخالق سبحانه وتعالى فهو قادر على كل شيء , وقادر على أن يتكلم ويسمِع من شاء , ولا يكون مضطرا بأن يكون له هذه الآلات .
الثاني: أن بعض المخلوقات تكلمت وقالت وهي ليست لها أسنان ولا لسان ولا شفتان ولا خيشوم ولا حلق كالسموات التي: ( قالتا أتينا طائعين ) , وكالجذع الذي حن للنبي صلى الله عليه وسلم - لما صنع له منبر يخطب عليه (6) , لأنه كان يخطب على جذع نخلة فلما صنع له منبر وهجر الجذع حن , والحنين صوت و نوع من الكلام (7) .
وأما الأشاعرة و الكلابية و الماتريدية فإنهم يثبتون لله الكلام , ولكن ليس على طريقة أهل السنة والجماعة بحيث يقولون إن الله يتكلم بكلام يسمع منه , بل يقولون إن الله يتكلم ومن صفاته الكلام ولكن يعنون بالكلام المعنى القائم بذات الله سبحانه وتعالى .
والأشاعرة وإن أثبتوا الكلام إلا أن الفرق بين إثباتهم واثبات أهل السنة واضح , فأهل السنة والجماعة يقولون إن الله يتكلم بصوت وحرف , ويقولون إنه يتكلم و يسمع منه الصوت , أما الأشاعرة ومن معهم فهم وإن قالوا إن الكلام صفة من صفات الله تعالى وقالوا نثبت الكلام الله سبحانه وتعالى لكن هم يقولون لا يسمع منه يعني لا يتكلم بصوت ولا حرف , وإنما الكلام الذي يثبتونه لله سبحانه وتعالى يعنون به المعنى القائم بنفسه , يعني معاني , مثلًا معنى الأمر معنى النهي معنى الاستفهام معنى الإخبار , يخبر جبريل عليه السلام على أن يفهم ما في نفس الله فيعبر عن ذلك المعنى بصوته هو , فعلى هذا تكون الحروف الأصوات عندهم مخلوقه .
إذًا هم ينكرونه ويعدون كلام الله المعنى القائم بالنفس , ولكن المعنى القائم بالنفس لا يسمى كلاما , وإنما استدلوا بما يروى عن الأخطل النصراني أنه قال (8) :
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
ويقولون هذا دليل على أن الكلام قائم في النفس , وأما الكلام الذي يكون باللسان فهو دليل عليه .
والعلماء ذكروا أنه لا دلالة في البيت بوجه من الوجوه , وقالوا:
أولًا: أن الشاعر نصراني والنصارى ضلوا في مسألة الكلام حيث جعلوا عيسى عليه الصلاة والسلام هو نفس كلمة الله .
ثانيًا: أن البيت مروي بلفظ غير هذا وهو (9) :
إن البيان لفي الفؤاد وإنما ...
فليس فيه الكلام , بل ذكر البيان .
ثالثا: أن البعض يشكك في نسبته , ويقول إن البيت مصنوع لم يثبت في ديوان الأخطل .
رابعا: أن البيت لو ثبت للأخطل , فإن الأخطل من الشعراء المولدين الذين لا يحتج بشعرهم في شواهد اللغة العربية .
والسلف رضوان الله عليهم يرون أن القول بخلق كلام الله كفر , فلهذا خالد بن عبد الله القسري قتل الجعد بن درهم وقال لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا ولم يكلم موسى تكليمًا (10) , فدل على عظم هذه البدعة وكبر هذه الفرية التي هي زعمهم أن كلام الله مخلوق .
(1) / رواه مسلم ( 2383 ) والترمذي ( 3656 ) وابن ماجه ( 93 ) والبغوي ( 3867 ) وغيرهم .
(2) / ينظر مفردات الراغب الأصفهاني مادة خل ت صفوان عدنان .
(3) / رواه البخاري ( 1981 ) ومسلم ( 721 ) وغيرهما .
(4) / ذكره البخاري في صحيحه معلقا بعد حديث ( 77 ) ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ( 5/355 ) ورواه البخاري أيضا في خلق أفعال العباد ص 99 ورواه في صحيحه بلفظ آخر ( 7483 ) , وفي الأدب المفرد ( 970 ) ورواه احمد في مسنده ( 16042 ) بسند حسن .
(5) / رواه البخاري ( 6539 ) ومسلم ( 1016 ) وغيرهما .
(6) / رواه النسائي ( 1396 ) واحمد في مسنده ( 14142 ) و عبدالرزاق في المصنف ( 5254 ) بإسناد صحيح .
(7) / وكذلك جهنم كما في قوله تعالى: ( يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ) .
(8) / ينظر شرح ابن أبي العز ص 199 ت التركي ط 2 .
(9) / ينظر كلام ابن أبي العز ص 199 ت التركي ط 2.
(10) / رواه البخاري في خلق أفعال العباد ( 3 ) وفي تاريخه الكبير ( 1/1/64 ) ورواه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية ص 21 , وقد استفاض ذكر هذه القصة التاريخية في كتب أهل العلم وتلقوها بالقبول .