فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 153

( ونؤمن بالبعث )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: البعث يطلق في اللغة على معنيين:

1 -يطلق على إحياء الأموات .

2 -ويطلق على الإرسال .

تقول في اللغة بعث الله الأموات بمعنى أحياءهم , وتقول بعثت فلانا إلى فلان بمعنى أرسلته إليه كما قال سبحانه وتعالى: ( ولقد بعثنا في كل رسولا أن أعبدوا الله واجتبوا الطاغوت ) .

هذان المعنيان في اللغة للبعث , ويستعمل البعث مجازًا في أمور أخرى , كقولك: بعثت فيه اليقظة أو بعثت فيه الحركة , أو إذا أردت فقل أيقظت همته أو أيقظت وعيه , بمعنى أنه حصل منك له هذا الأمر الذي جعله ينبعث فيه بعد أن كان غافلا , المهم أن معناه الوضعي إحياء الأموات والإرسال .

ويراد في البعث وإحياء الأموات النشور والنشر , تقول نشر الله الأموات بمعنى أحياهم , ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الدعاء المأثور: ( اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا وبك نحيا وبك نموت وإليك النشور ) (1) ومثله كثير في القرآن , كقول الكفار ( وما نحن بمنشرين ) أي بمبعوثين , ومن أدلة إطلاق النشر على إحياء الأموات في اللغة العربية قول مهلهل:

يا لبكر انشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرار (2)

فمعنى انشروا لي كليبا أي أحيوه .

الحاصل أن النشر والبعث في أحد معنييه يطلقان على إحياء الأموات .

والشعراء معروفون في المبالغة لكن نورد هنا لأحدهم شاهدا للمعنى الذي نحن فيه وأظنه للأعشى إن لم تخني الذاكرة , يقول:

لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر

حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر (3)

الناشر أي المنشور المبعوث المحيا .

والبعث بعد الموت فيه ثلاثة مذاهب للناس:

المذهب الأول: مذهب جمهور المسلمين من أهل السنة والجماعة ومن مبتدعة , أن البعث حق وأنه واقع لابد منه , وأنه يكون بعثا للأرواح والأبدان جميعا , وأدلته في القرآن كثيرة جدا بل أكثر ما تقرأ في سور القرآن لابد وأن تجد فيه ما يشير إلى ثبوت البعث وأنه حق , لكن أساليب الأدلة في القرآن على ثبوت البعث متنوعة:

منها أدلة عقلية ترشد العقول و تلفتها إلى الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى يبعث الناس يوم القيامة:

من ذلك الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الأموات , كثيرا ما يذكر سبحانه وتعالى دليلا على قدرته في بعث الخلق بقدرته على إحياء الأرض بعد أن تكون ميتة - تكون يابسة مغبرة فينزل الله المطر ثم بعد فترة تراها خضراء نضرة مهتزة , كما قال سبحانه وتعالى: ( وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شي قدير ) , والآية الأخرى التي يقول فيها سبحانه وتعالى: ( وترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء أهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ) , وهذا كثيرًا ما يتكرر في القرآن , يلفت سبحانه وتعالى عقول عباده إلى قدرته على البعث استدلالا بقدرته على إحياء الأرض وإيجاد الحياة فيها .

وكذلك الاستدلال ببدء الخلق على الإعادة كلفته سبحانه وتعالى أنظار عباده إلى أنهم وجدوا من العدم , وأن الله بدأ خلقهم من غير أن يكون لهم مثال سابق , فإذا كان كذلك فمتقرر عقلا أن إعادة الفعل أهون من البدء به , ولهذا قال سبحانه وتعالى: ( وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ) وكذلك في قوله سبحانه وتعالى: ( ويقول الإنسان أإذا ما مات لسوف أخرج حيا ) الإنسان يستغرب أنه يبعث ويحي بعد الموت .! رد الله عليه بقوله: ( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئًا ) أي أيدعي الإنسان عجزنا عن الإحياء والبعث وينسى ولا يذكر الإنسان أننا أوجدناه من العدم من غير مثال سابق ؟ .

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( أولم ير الإنسان أن خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه ) وسبب نزول هذه الآية أن أحد طغاة قريش (4) أخذ عظما قد أرم وبلي وفته بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أتزعم أننا إذا صرنا مثل هذا نبعث ؟! فنزل قوله سبحانه وتعالى: ( وضرب لنا مثلا ) الآية , ضرب مثلا لعجز الله سبحانه وتعالى عن البعث بهذا العظم الميت , لكن الله رد عليه بقوله: ( ونسي خلقه ) يعني نسيت يا أيها الطاغية كونه سبحانه وتعالى أوجدك من لا شيء حتى تستبعد قدرته على خلقك مرة أخرى: ( قال من يحي العظام وهي رميم ) , قوله: ( قال من يحي العظام ) حكاية لما فعله هذه الطاغية حيث فت العظم , وقال: هذا العظم الذي قد أرم تزعم يا محمد أن الله يبعثه إذ صرنا مثله ؟! فقال سبحانه وتعالى: ( قل يحييها - يعني العظام - الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) يعني بدء خلقكم وإعادتكم هو عليم به سبحانه وتعالى: ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا ) , يقول ابن القيم رحمه الله عن هذه الآية: هذا رد على هذا الملحد من جنس حجته , فهو احتج على عدم قدرة الله على البعث بكون العظم يصير إلى رميم بالٍ , قال رحمه الله: فهو يقول هذا العظم بلغ الغاية في اليبس والبرودة , ليس فيه أي حرارة وليس فيه أي رطوبة , ومعلوم أن حياة المخلوقين لابد أن تكون متصفة بالرطوبة والحرارة , ولا يمكن أن يوجد مخلوق حي ويستغني عن أن يكون فيه رطوبة وحرارة , كيف يوجد الله الحياة التي هي مستلزمة للرطوبة والحرارة من هذه العظام التي هي مستلزمة لليبوسة والبرودة , يقول: إن الله تعالى رد عليه بقوله: ( الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارًا ) ومعلوم أن النار طبيعتها الحرارة واليبوسة وقد أوجدها - في ضدها - في الشجر الأخضر الذي طبيعته الرطوبة والبرودة , فإذا كان يقدر سبحانه وتعالى على إيجاد العنصر الحار اليابس من الشجر الذي هو عنصر بارد رطب فكذلك قادر على إيجاد الحياة في العظم البارد اليابس وإن كانت مستلزمة للحرارة والرطوبة .

وهناك دليل أخر كثيرا ما يتكرر في القرآن , وهو استدلاله سبحانه وتعالى بقدرته على خلق الشيء العظيم بخلق ما هو أكبر منه:

من ذلك قوله سبحانه وتعالى: ( أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) أي: أليس الله الذي خلق هذه السماوات العظيمة والأرض العظيمة بقادر على أن يخلق مثل بني آدم أو يعيدهم مرة أخرى , وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( أأنتم أشد خلقا أم السماء ) معلوم أن السماء أشد خلقا وأعظم , أذًا فهو قادر على بعث الناس وخلقهم , وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) كل هذه الآيات دلائل على قدرته سبحانه وتعالى على البعث .

ومن أصناف الأدلة على قدرته على البعث كونه سبحانه وتعالى يحي بعض الناس في الدنيا:

وقد حصل منه إحياء بعض الأموات في الدنيا وشوهدوا , كإحياء قتيل بني إسرائيل: ( فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ) أي اضربوا القتيل ببعض من هذه البقرة فيحيا فضربوه فحيي , فما دام أن الله سبحانه وتعالى قدر على إحياء هذا القتيل فإنه قادر على إحياء جميع الأموات إذا أراد , وكذلك في قوله تعالى: ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه - لم يتغير - وأنظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) لما رأى الحمار يبعثه الله طورا بعد طور حتى قام حيا كاملا قال: ( أعلم أن الله على كل شيء قدير ) أي فهو قدير على بعث الناس , وكذلك قوله سبحانه وتعالى في الآية التي بعد هذه: ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك - أي اجعلهن إليك - ثم أجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ) قال المفسرون إن هذه الآية تعني أن الله أمر إبراهيم أن يعصب عددًا من الطير ويذبحها ويقطعها أجزاء ثم يخلط هذه الأجزاء بعضها ببعض ثم يجعل كل جزء منها على جبل ثم يدعوها , ففعل فجاءته حية تسعى .

وهناك طريقة أخرى للاستدلال على قدرة الله على البعث وهي كونه يضرب على آذان بعض الناس للنوم سنين طويلة جدًا ثم يوقظهم:

كما حصل لأصحاب الكهف لما هجروا قومهم وفروا من الشرك و الكفر وأووا إلى كهف في جبل , ناموا وبقوا في نومهم أكثر من ثلاثمائة سنة , ثم استيقظوا وظنوا أنهم ما ناموا إلا يوما أو بعض يوم , والله سبحانه ذكر هذه القصة في سورة الكهف ليبين لعباده أن الذي قدر على حفظ الحياة أو إعادة وعيهم وحياتهم بعد ثلاثمائة سنة وأكثر - أنه قادر على إحياء الأموات: ( فضربنا على أذانهم في الكهف سنين عددا ً ) إلى أخر الآيات التي تشير إلى هذا المعنى .

ومن مباحث البعث التي ينبغي عدم إهمالها في هذه المناسبة أن الله سبحانه وتعالى أكثر في القرآن في تكرار البراهين الدالة على البعث والدالة على توحيد الإلهية , فأنت إذا قرأت سورة قَلّ أن تخرج منها إلا ولديك حجة على قدرته على البعث أو حجة على وحدانية سبحانه وتعالى على الإلهية .

ولهذا يرد سؤال هنا لماذا يكثر في القرآن جدًا تكرار الاستدلال على البعث وتكرار الاستدلال على توحيد الإلهية أكثر من غيرهما بكثير ؟

والجواب عن هذا أن يقال: هناك أمران يقتضيان هذا التكرار:

الأمر الأول: أن القوم الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبالغون في إنكار البعث ويبالغون في إنكار توحيد الإلهية , و يعجبون من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى توحيد الله في العبادة ( أجعل الآلهة إلها واحدًا إن هذا لشيء عجاب ) , وكذلك يعجبون ويستنكرون من ذكره عليه الصلاة والسلام أن الله يبعث الناس مرة أخرى , فلما كانوا يبالغون في إنكار البعث وإنكار التوحيد احتاجوا إلى تكرار الأدلة والحجج وتنويعها وتصنيفها ليكون ذلك مقنعا لهم .

الأمر الثاني: أن هذين الأمرين هامان جدًا , والرسول عليه الصلاة والسلام هو أخر الرسل لن يأتي بعده رسول , والرسل الذين كانوا قبله كان إذا مات نبي خلفه نبي آخر يجدد ما نسي من الشريعة ويبين ما غمض و اندرس منها , أمّا النبي صلى الله عليه وسلم فهو خاتم الأنبياء ولن يأتي بعده نبي , فكان تكرار هذه الأدلة والحجج والبراهين وتصنيفها وتنويعها لئلا يتطرق إليها الاندراس والنسيان والغموض .

ومما يبحث أيضا في هذا الباب دعوى الفلاسفة بأن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لم ينذروا أممهم ويبلغوهم بالبعث , ولم يفصح عن البعث إلا محمد صلى الله عليه وسلم , ولكن هذا قول باطل والقرآن مملوء من تحذير الرسل لقومهم من البعث , ولكن الفلاسفة لما رأوا كثرة الأدلة والبراهين في القرآن قالوا: إنه لم يفصح عن البعث إلا محمد .

والجواب عن هذا - عن كلام الفلاسفة - هو المذهب الأول في مسلك الناس فيما يتعلق بإثبات البعث وهو مذهب الرسل وإتباعهم الذين يقولون ببعث الأجسام وبعث الأرواح جميعا , وقد سبق ذكره .

المذهب الثاني هو للفلاسفة الذين يسمون بالفلاسفة الإسلاميين , كابن سيناء والفارابي والكندي وغيرهم , هؤلاء يقولون هناك بعث بعد الموت ولكنه بعث للأرواح فقط أما الأبدان فإنها تبلى وتنعدم ولا تبعث لكن الأرواح هي التي تبعث وهي التي تجازى , ويقولون: إن الأرواح إذا مات صاحبها وهي فاضلة تفعل الخير فإنها تنعّم , وإذا كانت شريرة تفعل الشر فإنها تعذب , ولكن العذاب والنعيم معنويان وليسا حسيين , فليس في الآخرة أكل ولا شرب ولا جماع ولا لبس ولا تلذذ بأي شيء إنما النعيم هو عبارة عن انشراح وانبساط وفرح يحصل للروح , والنار عبارة عن كآبة وحزن وانقباض ونحو ذلك , إذًا هم لا يقرون بشيء من العذاب الحسي أو النعيم .

المذهب الثالث: مذهب الملاحدة من العالم , الذين ينكرون بعث الأرواح وبعث الأبدان جميعا , ويقولون: ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ) وهؤلاء ليس لهم أي دليل ولا منزع إلا قولهم: يقولون إذا مات الإنسان وبلى وتحلل لا يمكن بعثة , فكيف نبعث ؟ هذه شبهتهم .

(1) / رواه أبو داود ( 5068 ) والترمذي ( 3391 ) بسند صحيح .

(2) / من أبيات لمهلهل بن ربيعة , ينظر تفسير الطبري عند قوله تعالى: ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر )

(3) / من أبيات للأعشى , ينظر أضواء البيان 6/272

(4) / ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية أن هذا الطاغية هو أبي بن خلف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت