فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 153

( تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات , لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: مثل هذا التفسير لا يرضاه السلف , لأن هذه الأمور تحتمل حقًا وباطلًا , فتحتمل حقا بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأنه أعظم من أن يحويه مكان أو يحيط به زمان فهو عظيم أكبر من كل ما يقع في نفس الإنسان , ويحتمل النفي المفصل الذي يستعمله المعطلة من قولهم لا كذا ولا كذا , إذًا فترك هذه الألفاظ أولى فلو قال: يتعالى عن المثل والند والشبيه لكان أفضل وأولى .

مثل لفظ الجسم والجهة والتحيز , هذه ألفاظ ابن تيمية رحمه الله تكلم عليها كلامًا جيدًا وقال إنها لا تطلق في حق الله سبحانه وتعالى لا نفيا ولا إثباتًا , إلا بعد الاستفسار والاستفصال , فإذا قال: تعالى عن الأركان , ماذا يعني بالأركان ؟ تعالى عن الحدود ماذا يعني بالحدود , تعالى عن الجهة ماذا يعني بالجهة , تعالى عن التحيز ماذا يعني بالتحيز ؟ فإن بين مراده واشتمل على باطل رد , وأن اشتمل على حق قيل له المعنى الذي قصدته صحيح لكن اللفظ مبتدع ولا ينبغي أن تستعمله .

فمن قال إن الله سبحانه وتعالى في جهة أو قال إن الله سبحانه تنزه عن الجهة , يقال له كلامك هذا يحتمل حقًا وباطلًا لأن كلامك مجمل , و يقال لمثبت الجهة: إن أردت بالجهة أن الله سبحانه وتعالى في جهة العلو فالمعنى الذي قصدته صحيح ولكن اللفظ الذي عبرت به مبتدع , السلف لم يتكلموا في الجهة لأنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة .

أما إن قال: أريد بالجهة المكان المحدد المتحيز فإنه يقال له المعنى الذي قصدته باطل واللفظ الذي جئت به باطل , كذلك الجسم عند السلف لا يطلق في حقه سبحانه وتعالى لا نفيًا ولا إثباتًا , ومن أثبت لله جسمًا أو نفى عن الله الجسم فإنه يستفسر منه لا يسلم له مطلقا ولا ينكر عليه مطلقًا , فإن كان ممن يثبتون لله الجسم قيل له: لفظك هذا مجمل يحتمل حقًا وباطلًا ففسِّر لنا الجسم الذي أثبتَّه لله , هل تعني أن لله جسمًا بمعنى أن له جسمًا متركبًا يماثل أجسام المخلوقين إذا أردت هذا فاللفظ باطل والتعبير باطل والمعنى الذي قصدته باطل , وإن أردت بالجسم أن لله ذاتًا قائمة بنفسها بائنة من غيرها متصفة بالصفات فالمعنى الذي قصدته صحيح ولكن التعبير الذي عبرت به وهو إثبات الجسم كان مخالفا لمذهب السلف لأن السلف لم يعبروا به نفيا ولا إثباتا .

وكذلك من ينفي عن الله الجسم يقال كلامك هذا مجمل يحتمل حقًا وباطلًا فماذا تعني بالجسم الذي نفيته عن الله وقلت إن الله يتنزه عن الجسم , فسر لنا هذا الجسم فإن قال: أعني بالجسم الأجسام المركبة كأجسام المخلوقين قلنا المعنى الذي قصدته صحيح فالله يتعالى عن ذلك , لكن اللفظ والتعبير الذي عبرت به مبتدع , فما كان السلف يقولونه , وإن قال أعني بتنزيه الله عن الجسم تنزيهه عن الذات , تعالى عن أن يكون له ذات قائمة بنفسها قيل له المعنى الذي قصدته باطل واللفظ و التعبير الذي عبرت به أيضًا باطل وهكذا في كل لفظ مجمل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت