فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 153

( والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الكتب هي الوحي الذي ينزله الله على أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم , كالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور وصحف إبراهيم وموسى وغيرها , لأن الله سبحانه وتعالى أنزل على رسله كتبًا منها ما بينه الله لنا ومنها ما خفي علينا .

فمذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة الإيمان بجميع ما أنزل الله على رسله إجمالًا ما عدا الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يجب الإيمان به تفصيلًا.

فنؤمن بأن الله أنزل على موسى التوراة وأنزل على عيسى الإنجيل وعلى داود الزبور وعلى إبراهيم و موسى الصحف , لكن هناك فرق بين الإيمان بالكتب المنزلة السابقة وبين الإيمان بالكتاب الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم , فإن ما عدا القرآن نؤمن به ولا يلزمنا العمل به إلا إذا أيده كتاب الله أو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , فنؤمن بأن الله أنزل على موسى كلامًا هو التوراة ونؤمن بأن الله أنزل على عيسى كلامًا هو الإنجيل ونؤمن بأن الله أنزل على إبراهيم وموسى كلامًا هو الصحف , وليس إيماننا بالإنجيل كإيمان النصارى فإن النصارى يؤمنون بالإنجيل ويدعون إليه ولكن لا يقولون إنه كلام الله ولا يعتقدون أن الله الذي تكلم به بل هو كلام الرسل والرسل عندهم يوحنا ومرقص ومتى وبولس هؤلاء هم الذين ينشئون الكلام , فلا يدعون أن هذا الكلام نزل على عيسى وإنما يدعون أنهم علموا عن عيسى هذه الآداب والأخلاق والأمور التي يزعمون أنها في الإنجيل , وأن عيسى علم تلامذته هذه النصائح وهذه المواعظ .

فالرسل عند النصارى رجال أو على الأصح تلاميذ لعيسى عليه الصلاة والسلام , أما نحن فإيماننا بالرسل ليس كإيمان هؤلاء بل نؤمن بأن الله تعالى نزّل على رسله كلامًا إما تكليمًا كما كلم موسى أو عن طريق رسل الملائكة كجبريل , و إيماننا بالكتب السابقة إيمان مجمل , فنؤمن بأن الله أنزل كتبا نقطع بأنها محرفة لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا في كتابه العزيز بأنهم ( يحرفون الكلم ) والأمثلة على هذا كثيرة في الكتاب والسنة .

أما إيماننا بالكتاب العزيز فهو أعم من ذلك , نؤمن به كتابًا من عند الله ونؤمن به شرعًا نتبعه ونتقيد به , فنحن مكلفون بأن نؤمن بأن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى نزله على نبيه صلى الله عليه وسلم ومكلفون بأن نؤمن ونعتقد بأنه يجب علينا العمل بما جاء في القرآن , أما الكتب السابقة فلا يلزمنا ذلك - يلزمنا أن نصدق بها وأنها نزلت على رسل الله إجمالا , وأن لله كتبا يخفي علينا علمها كما أن له رسلًا كذلك , منهم رسل قصهم الله على نبيه ومنهم رسل لم يخبر بهم نبيه عليه الصلاة والسلام كما قال ( رسلًا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلًا لم نقصصهم عليك ) .

وكذلك نؤمن بأن من كتاب الله ما يجب العمل به وأن آيات نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم نسخ العمل بها , كما قال سبحانه وتعالى ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) .

والنسخ حق يجب الإيمان به , أما اليهود فإنهم ينكرون النسخ ويقولون النسخ لا يمكن , إذا حكم الله بحكم فلا يجوز أن ينسخه لأنه لو قلنا بأن الله ينزل آية أو ينزل حكمًا ثم ينسخه للزم من ذلك أن يكون بدا رأى آخر , كان يرى أن الحكم كذا ثم نسخه , بمعنى أن عواقب الأمور قد خفيت عليه , فعلم أنه أخطأ فشرع حكما آخر كما يقولون , وهذا باطل من عدة وجوه:

من أوضحها أن الله سبحانه وتعالى ينزّل الشريعة والأحكام حسب الظروف وحسب المقتضيات , فقد يوحي إلى نبيه بحكم في وقت وتنتهي مصلحة ذلك الحكم فينسخه بحكم آخر , كما أنه سبحانه وتعالى أوجب على الصحابة في الغزوات في أول الأمر مصابرة الواحد منهم للعشرة من الكفار يبرز إليهم كما قال سبحانه وتعالى ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) ثم بعد ذلك لما ضعفت شوكت الكفار وكثر الصحابة وزالت العلة المقتضية نسخ هذا الحكم بأخف منه كما قال عز وجل: ( الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) الواحد يغلب اثنين , فالله سبحانه وتعالى يشرع الحكم لمصلحة فإذا زالت المصلحة المقتضية نسخه بحكم آخر .

وبعضهم يقول إن النسخ يعتبر تخصيصا للحكم , لكن التخصيص غير النسخ , فالله سبحانه وتعالى نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة , فهل يقال هذا تخصيص للحكم الأول , ومن اطلع على تعريف النسخ تبين له أن النسخ معناه النقل والإزالة .

والذي يجب علينا العمل به من كتاب الله هو المحكم , أما المنسوخ فباتفاق المسلمين أنه لا يجب علينا العمل به وأن حكمه غير باق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت