( يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا , ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هذه المسألة هي مسألة القضاء والقدر , ومسألة العدل , والمسألة التي ضل فيها فئام من الناس كالمعتزلة والرافضة وغيرهم من القدرية الذين يقولون إننا لو قلنا إن الله يهدي بمعنى يوفق ويلهم للزم أن يكون ظالمًا , كيف يهدي فلانًا ويوفقه ويضل فلانًا أو يمنعه من الهداية .
الهداية عند علماء أهل السنة لها معان:
هداية معناها البيان والإرشاد .
هداية معناها التوفيق والإلهام والتسديد .
فالهداية التي بمعنى البيان والإرشاد هذه تكون من الله وتكون من الرسل وتكون من المؤمنين العلماء , وهي بيان الطريق والإرشاد والنهي عن الضلال والتحذير من الوقوع فيه .
أما الهداية التي بمعنى التوفيق والإلهام فهذه لا تكون إلا من الله عز وجل كما قال سبحانه وتعالى: ( إنك لا تهدي من أحببت ) تهدي بمعنى تدل وترشد وتبين وأما هداية التوفيق فهي في قوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله } ومعنى ( إنك لا تهدي من أحببت ) أي لا توفقه ولا تعينه ولا تسدده بل ذلك كله إلى الله سبحانه وتعالى .
وهذه القضية من كبريات القضايا التي احتدم فيها الجدال والخصام و المناظرة بين القدرية وغيرهم من مثبتة القضاء والقدر , يقولون كيف نعتقد بأن الله يهدي فلانا ويضل فلانا ثم لا يكون ظالمًا لمن أضله ؟ والجواب عن هذه الشبهة أجاب به كثير من العلماء , وهو أن الهداية التي يعطيها سبحانه وتعالى من يشاء ويمنعها من يشاء هي ملك لله سبحانه وتعالى , والمالك لملكه إن تفضل به على أحد فهو فضل منه وإن منعه فهو عدل منه لأن المالك للشيء يتصرف به في المنح وفي المنع .
وقد جرت مناظرة بين عبد الجبار الهمذاني المعتزلي وبين أبي إسحاق الإسفرائيني الأشعري حيث دخل عبد الجبار على الصاحب بن عباد وكان عنده الإسفرائيني:
فقال عبدالجبار على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء .
فقال الإسفرائيني فورا: كلمة حق أريد بها باطل , سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء .
فقال عبدالجبار - وفهم انه قد عرف مراده -: أيريد ربنا أن يعصى ؟
فقال أبو إسحاق: أيعصى ربنا قهرا ؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى , أحسن إلي أم أساء ؟
فقال الإسفرائيني: إن كان منعك ماهو لك فقد أساء , وإن كان منعك ماهو له فيختص برحمته من يشاء , فانقطع القدري عبدالجبار وسكت ولم يجد جوابًا (1) .
(1) / انظر دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في آخر أضواء البيان 10/331 , ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1 / 339