فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 153

( وكسب من العباد )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الكسب الذي يريده المؤلف هنا هو الفعل , لأنه معروف أن مذهبه في هذه المسألة هو مذهب أهل السنة والجماعة , فهو يقول هي خلق لله وفعل للعبد , لكنه عبر بالكسب لأن الكسب والفعل بمعنى واحد لا فرق بينهما .

هو عبر بالكسب عن الفعل وهو لا يريد الكسب الذي تريده الأشاعرة .

فإن الأشاعرة يقولون العبد له كسب وليس له فعل وهذا تناقض , فلا يعقل شيء اسمه الكسب وشيء اسمه الفعل , بل الفعل هو الكسب وهذا هو الذي عبر عنه المؤلف في قوله: ( وكسب من العبد ) هو يريد أن العباد أفعالهم لهم وهي مخلوقة لله سبحانه وتعالى .

والكسب أطلقه المؤلف هنا , والذي لا يعرف مذهب المؤلف قد يظن أنه يساير الأشاعرة فيثبت الكسب وينفي الفعل , وهذا ليس هو مذهب المؤلف , بل مذهبه إثبات الفعل للعبد على سبيل الحقيقة والاختيار , وإن كان يرى أن الفعل مخلوق لله سبحانه وتعالى لكنه عبر بالكسب عن الفعل فقط , وقوله في المقطع السابق: ( وأفعال العباد خلق لله ) ينص على أنه مع أهل السنة والجماعة حيث جعلها خلقا لله , لكن الأوضح لو قال: وأفعال العباد خلق الله وهي أفعالهم , لكنه قال: ( خلق الله وكسب من العبد ) يعني وفعل لهم .

المذهب الثالث (1) :

مذهب الجبرية و الأشاعرة منهم , فإنهم يثبتون للعبد كسبا وينفون عنه الفعل .

والعلماء كلهم يقولون إن العقلاء مجمعون على أنه ليس هناك كسب غير الفعل , بل الكسب هو الفعل والفعل هو الكسب , فمن أثبت الكسب لزمه ثبوت الفعل ومن نفى الفعل لزمه نفي الكسب فالفعل والكسب سواء , هذه هي الحقيقة .

لكن الأشاعرة يفرقون , فيثبتون كسبا لا يعقل وقصدهم التستّر وهم يثبتون ذلك مغالطة , وإلا فهم في باب أفعال العباد جبرية , وقد صرح ابن تيمية في أكثر من موضع بأن الأشاعرة جبرية محضة , لأنهم يقولون أفعال العباد أفعال الله لكن لهم كسب , مع أنه لا فرق بين الفعل والكسب , فإذا قالوا إن العبد لا يفعل وإنما أفعاله هي أفعال الله إذًا فقولهم له كسب لا معنى له .

والعلماء قالوا إثبات الكسب ونفي الفعل من الأمور المستحيلة عقلا .

فالجبرية يقولون إن العبد ليس له فعل وليس له اختيار وليس له مشيئة بل هو مجبور على ما يصدر عنه من أفعال وهذه الأفعال التي تصدر عنه هي أفعال الله تبارك وتعالى فإذا قالوا قرأ فلان أو كتب فإنهم يعنون قرأ الله وكتب الله , يلزمهم هذا , لأنهم يقولون ليس للعبد فعل مطلقا .

فإذا قيل لهم لماذا يسمى إذًا فاعلا وتنسب إليه الأفعال ؟

قالوا: تنسب إليه على سبيل المجاز المرسل لأنه محلها , فنسبة الفعل إلى العبد إذا قلت قام فلان نسبة مجازية علاقتها المحليّة , كما تقول خرج الجامع وكما تقول خرجت الكلية وتقول خرجت المدرسة وأنت تعني خرج الطلاب فكذلك قام فلان وقعد فلان مثل ذلك تماما , يعني قام الله وقعد الله , تعالى الله عما يقول هؤلاء علوا كبيرا , فلا يثبتون للعبد فعلا مطلقا ولا مشيئة ولا اختيارا , بل هو مجبور وحركته بأفعاله كحركة أغصان هذه الشجرة إذا هبت بها الرياح تماما , فكما أن الشجرة تتحرك أغصانها بدون إرادة وبدون مشيئة وليست هي المتحركة بل هي محركة , فكذلك العبد إذا فعل فهو مجبور عليه وحركته مفعولة فيه , فعلها الله وليس هو الفاعل لها .

وبالنسبة لفعل العبد فإن في مذهب القدرية جزء منه حق وجزء منه باطل , وفي مذهب الجبرية جزء منه حق وجزء منه باطل , ومذهب أهل السنة والجماعة هو مجموع جزئي الحق الموجودين في مذهب القدرية وفي مذهب الجبرية .

فالقدري يقول إن للعبد فعلا ومشيئة واختيارًا وهذا حقٌ , ثم يقول ولكن هو الخالق لفعله , وهذا هو الباطل في مذهب القدرية يعني مذهب القدرية جزآن , العبد فاعل لفعله حقيقة له فعل وله اختيار له مشيئة وله إرادة وهذا حق ثم يقولون والخالق لأفعاله هو وليس الله خالقهما .

والجبرية يقولون إن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد , خلقها وشاءها وأرادها وقدرها وهذا حق , ولكن يزيدون على هذا ويقولون العبد ليس له فعل بل هو مجبور على أفعاله وهذا باطل .

إذًا فقول القدرية العبد فاعل حقيقة وله مشيئة واختيار وقول الجبرية الله خالق أفعال العباد ومقدرها هذا حق أيضا .

فاجمع هذا مع هذا يظهر لك مذهب أهل السنة والجماعة .

أهل السنة والجماعة يقولون العبد فاعل حقيقة وله مشيئة واختيار , والمعتزلة يقولون كذلك , ويقول أهل السنة والجماعة الله خالق أفعال العبد ومقدرها ومريدها , وهكذا تقول الجبرية إنما الخلاف بين أهل السنة و الجماعة وبين القدرية هو خلق الفعل , فأهل السنة والجماعة يقولون الخالق له الله والمعتزلة يقولون الخالق له العبد .

والخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين الجبرية أن أهل السنة والجماعة يقولون كما تقول الجبرية بأن الله خالق أفعال العباد ومقدرها ومريدها , ولكن نقطة الخلاف بينهم وبين الجبرية أن العبد مجبور كما تقول الجبرية وأهل السنة والجماعة يقولون العبد ليس مجبورًا بل هو مختار وفاعل ومريد لفعله .

بقى أن نعرف شبهة الجبرية بعد أن عرفنا شبهة القدرية:

الجبرية يستدلون بقوله تعالى: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) يقولون هذه الآية نص على أن العبد لا فعل له , فإنه نفى عنه الفعل فقال: ( وما رميت ) وأثبت الفعل لله فقال: ( ولكن الله رمى ) إذًا فالفاعل هو الله وإن تحرك العبد بالفعل .

وأهل السنة والجماعة أجابوا عن هذه الشبهة وهذا الاستدلال الخاطئ فقالوا:

إن الرمي يطلق في لغة العرب ويراد به أحد أمرين:

1 -تارة يطلق ويراد به الإصابة , إصابة السهم للهدف .

2 -وتارة يطلق ويراد به إرسال السهم .

والله سبحانه وتعالى نفى عن العبد أحد النوعين وهو الإصابة وأثبت له أحدهما وهو الإرسال فقال سبحانه: ( إذ رميت ) وهذا إثبات , لأن العبد رمى ولكن نفى عنه الإصابة , فكأنه يقول ما أصبت إذ حذفت أو أطلقت السهم .

و قد رد عليهم من نفس الآية .

(1) / في المقطع السابق ذكر مذهب أهل السنة ومذهب القدرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت