فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 153

( ولا ننزل أحدا منهم جنة ولا نارًا )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذه مسألة القطع للمعين بالجنة أو النار , هذه فيها ثلاثة أقول:

القول الأول: قول السلف وجمهور والمسلمين أننا لا نقطع لمعين بجنة ولا بنار مهما كان عمله , يعني لو كان ناسكا عابدًا مجتهدا في الطاعات ولا نعرف عنه معصية ثم مات فإننا لا نقطع له بالجنة وإنما نرجو له الخير , ولهذا يقولون نرجو للمحسن ونخاف على المسيء , إلا من شهد له نص معصوم من القرآن أو من الحديث ينص على أن فلانا بعينة من أهل الجنة نقطع له بذلك , كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إن سبعين ألفا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ) فقام عكاشة رضي الله عنه وقال يا رسول الله: أدع الله أن يجعلني منهم , قال: ( أنت منهم ) (1) , فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لعكاشة بن محصن أنه من السبعين الفائزين الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب , إذًا فقطعنا لعكاشة أنه في الجنة من شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك , حتى على الرواية الأخرى أنه قال له: ( اللهم اجعله منهم ) (2) وهذا يدل على أنه منهم , وكذلك من الأمثلة ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه نشهد له بعينه أنه من أهل الجنة , لأنه لما نزل قوله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) وكان ثابت رضي الله عنه جهوري الصوت , لزم بيته يبكي وقال حبط عملي , لأنه كان يرفع صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم , ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه فقيل له هكذا فقال: ( بل هو من أهل الجنة ) (3) , فشهد له بعينه , وكذلك الخلفاء الأربعة وبقية العشرة كل هؤلاء نشهد لهم بالجنة بأعينهم .

وكذلك من شهد له النص أنه في النار فإنا تقطع بأنه في النار بعينه كعمرو بن لحي الخزاعي لعنه الله , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه رآه ليلة أسري به يجر أمعاءه في النار , فهذا نص من المعصوم عليه الصلاة والسلام أن هذا لشخص في النار , وكذلك أبو لهب في قوله سبحانه وتعالى: ( سيصلى نارًا ذات لهب ) , الحاصل أن هذا القول الذي هو قول السلف وجمهور المسلمين أننا نقطع بالجنة ونقطع بالنار للشخص بعينة إذا شهد له نص من القرآن أو الحديث , أما غيره فمهما كان عمله صالحا أو فاسدا فلا نقطع له بالجنة ولا بالنار .

قالوا دليل هذا المذهب أمران:

الأمر الأول: أننا لا نعلم ماذا تكون عليه خاتمة الإنسان , من يعمل عملا صالحا لا ندري هل يستمر عليه إلى الوفاة أو يتركه ويرتد ويعود إلى الكفر وكذلك الكافر أو المشرك لا نقطع له بالنار لأننا لا نعلم ما هي الحقيقة أو الحالة التي يموت عليها , والرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن العبرة بالخواتيم حيث قال: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا , ثم يكون علقة مثل ذلك , ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يرسل إليه ملك فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ) ثم قال صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها , وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) (4)

الأمر الثاني: أننا لا نعلم بواطن الأمور , فإذا رأينا إنسانا يعمل الصالحات ويكثر منها فقد يكون في الباطن بخلاف ذلك فقد يعمل الأعمال الصالحات وهو منافق كافر , والعكس فقد يكون الإنسان يرتكب المعاصي وفيه من الإيمان والخوف والوجل والخشية والندم , وهو في باطن أمره يكفر ذلك .

القول الثاني: هناك من يقول لا نقطع لمعين مطلقا إلا للأنبياء والرسل فقط , وهذا لا يعرف له دليل خاص , وهو قول قيل .

القول الثالث: أنهم يقولون نشهد لمعين بالجنة أو النار إذا شهد له النص أو إذا شهد له المسلمون , يضيفون إلى المنهج الأول قولهم إذا شهد المسلمون لشخص بعينه , وهؤلاء يستدلون بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر بجنازة فأثني عليها خيرا فقال: ( وجبت ) ومر بأخرى فأثنى عليها شرًا فقال ( وجبت ) فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله ما وجبت فقال: ( هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا ًوجبت له النار أنتم شهداء الله في أرضه ) (5) .

ولكن هذا الحديث يجاب عنه بأن شهادة المسلمين للمعين تكون قرينه ترجح حالته التي هو عليها ولا تكفي للقطع بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: ( توشكون أن تعرفوا أهل لجنة من أهل النار ) قالوا بم يا رسول الله قال: ( بالثناء الحسن والثناء السيئ , أنتم شهداء الله بعضكم على بعض ) (6) , فقوله: توشكون يدل على أنهم لا يقطعون وأن شهادتهم لا تكفي للقطع وإنما هي قرينه , لأن توشكون من أوشك وأوشك معناها قرب .

فعلى هذا يكون المذهب الراجح هو الأول .

(1) / رواه البخاري ( 5705 ) و مسلم ( 216 )

(2) / رواه البخاري ( 6541 )

(3) / رواه البخاري ( 3613 ) ومسلم ( 119 ) .

(4) / رواه البخاري ( 3208 ) ومسلم ( 2643 )

(5) / رواه البخاري ( 1367 ) ومسلم ( 949 )

(6) / رواه ابن ماجه ( 4221 ) و احمد في المسند بسند صحيح ( 15439 ) ت التركي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت