( والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل , وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل و بها يتعلق الخطاب كما قال تعالى: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: الاستطاعة معناها لغة القدرة والطاقة .
ولها في اصطلاح العلماء ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب أهل السنة والجماعة .
المذهب الثاني: مذهب القدرية .
المذهب الثالث: مذهب الجبرية و الأشاعرة .
فأما خلاصة مذهب أهل السنة والجماعة في الاستطاعة فهي عندهم نوعان:
نوع يكون قبل الفعل , ونوع يكون مع الفعل .
فالنوع الأول: ما يكون قبل الفعل وهو القدرة على الفعل , يعني الوسع والتمكن وسلامة آلات الفعل , فمن كانت عنده هذه الاستطاعة فهو مكلف وإن لم تكن عنده فليس بمكلف , ولذا فسرها بسلامة آلات الفعل .
مثلا: الرجل الأعمى يقال لا يستطيع الكتابة لماذا ؟ لأن آلات الكتابة عنده غير موجودة وهي البصر , وكذلك المريض الذي لا يستطيع القيام للصلاة هذا لا يكلف بأن يصلي قائما بل يكفي منه شرعًا أن يصلي قاعدا ً كما قال صلى الله عليه وسلم: ( صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب ) (1) .
إذًا هذا النوع من أنواع الاستطاعة يفسر بالقدرة على الفعل بكون العبد يمكنه أن يفعل , بمعنى أن تكون آلات الفعل موجودة كاملة عنده وليس هناك ما يمنعه من أن يفعل , فمن كان مستطيعا للنوع الأول كلّف وخوطب وأثيب على فعله وعوقب على تركه , ومن لم يكن مستطيعا فإنه لا يكلف ولا يعاقب على ترك الفعل .
النوع الثاني: هو ما يعطيه الله للعبد من التوفيق والتسديد والإعانة حتى يحصل منه الفعل , وهذا النوع يكون مع الفعل مقارنا له , لا يأتي وحده بل لا يمكن أن يوجد الفعل إلا وهذا النوع من الاستطاعة مقارن ومصاحب له , إذًا فهو استطاعة , ولكن لا يتعلق بها التكليف الشرعي لكون هذه الاستطاعة من الله سبحانه وتعالى , ولأن التكليف يتعلق بمعنى سلامة الفعل والآلات والتمكن منه .
ويستدل أهل السنة على النوع الأول بآيات كثيرة وأحاديث:
كقوله سبحانه ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) هذا يدل على أن الإنسان إذا فقد الاستطاعة التي بمعنى التمكن من الفعل فهو غير مكلف .
وكذا قوله سبحانه وتعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم ) .
وقوله تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) فالعاجز عن أداء الحج إذا لم يكن لديه مال ولا راحلة يتوصل بهما إلى مكة فلا يكلف , لأن الاستطاعة التي هي مناط التكليف مفقودة منه .
وكذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( صل قائما فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب ) (2) .
و يستدلون على النوع الثاني:
كما في قوله سبحانه وتعالى عن الكفار ( ما كانوا يستطيعون السمع ) فهل الكفار صم ما يسمعون ؟ هم يسمعون , فنفيه عنهم الاستطاعة مما يدل على أنه نفى عنهم التوفيق والإعانة والتسديد فقوله ( ما كانوا يستطيعون ) يعني ما حصل لهم التسديد من الله والإعانة من الله ولا التوفيق من الله .
وكذلك قوله ( إنك لن تستطيع معي صبرًا ) الخضر قال لموسى لن يحصل منك استطاعة لما سأفعله , فهل موسى عاجز عن الاستطاعة التي هي بمعنى التمكن من الفعل ؟ موسى عليه السلام من أولي العزم الخمسة الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهم كما في قوله تعالى ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ) وموسى واحد منهم , وهم يستطيعون الصبر أكثر من غيرهم ومع هذا قال الخضر ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) يعني لن يحصل منك فعل الصبر , ولن يعطيك الله فعل الصبر , فالاستطاعة التي مع الفعل هي التي بمعنى التوفيق والإعانة والتسديد من الله سبحانه وتعالى .
المذهب الثاني: مذهب القدرية , والقدرية يقرون بالاستطاعة التي قبل الفعل , التي هي بمعنى التكليف والقدرة على الفعل , ولكن ينكرون النوع الثاني , ويقولون ليس هناك استطاعة مع الفعل , فالاستطاعة عندهم نوع واحد وهي التي تكون قبل الفعل وهي التي يتعلق بها التكليف .
يعني النوع الأول عند أهل السنة والجماعة يقر به المعتزلة , ولكن ينكرون النوع الثاني الذي هو بمعنى التوفيق .
وشبهتهم في ذلك يقولون: إذا قلنا إن هناك استطاعة بمعنى توفيق الله وإعانته وأنه يوفق من يشاء ولا يوفق من يشاء ويعين من يشاء ولا يعين من يشاء , لو أقررنا بهذا لكان الله ظالمًا , كيف يوفق هذا ويمنع توفيقه عن هذا , فينكرون التي مع الفعل بهذه الشبه الفاسدة تعالى الله عن ذلك وتقدس .
ولكن شبهتهم هذه أبطلها أهل السنة والجماعة وقالوا: إن التوفيق والتسديد والإعانة ملك لله سبحانه وتعالى , والمالك للشيء يعطيه من شاء ويمنعه من شاء ولا يكون ظالما , فأنت إذا كان لك شيء تملكه كتابًا أو غيره , فلو أعطيت فلانا ومنعت فلانا لا تعتبر ظالما لأن الكتاب ملكك , والمالك للشيء يعطيه من شاء فضلا ويمنعه من شاء عدلا .
ولهذا لما دخل عبد الجبار الهمذاني المعتزلي على الصاحب بن عباد وكان عنده الإسفرائيني , وكان الاسفرائيني أشعريا يخالف المعتزلة , وعبد الجبار منهم ينكر الاستطاعة التي مع الفعل والاسفرائيني يقر بها لأنه اشعري جبري .
قال عبدالجبار على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء .
فقال الإسفرائيني فورا: كلمة حق أريد بها باطل , سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء .
فقال عبدالجبار - وفهم انه قد عرف مراده -: أيريد ربنا أن يعصى ؟
فقال أبو إسحاق: أيعصى ربنا قهرا ؟
فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى , أحسن إلي أم أساء ؟
فقال الإسفرائيني: إن كان منعك ماهو لك فقد أساء , وإن كان منعك ماهو له فيختص برحمته من يشاء .
فانقطع القدري عبدالجبار وسكت ولم يجد جوابًا (3) .
فقوله: سبحان من تنزه عن الفحشاء يعني سبحان من لا يخلق المعاصي , والاسفرائيني قال: كلمة حق أريد بها باطل . يعني قول من يقول إن الله متنزه عن الفحشاء حق ولكنك تريد باطلا فلما عرف قصده رد عليه بما ذكر .
فالحاصل أن المعتزلة ينكرون الاستطاعة التي بمعنى التوفيق والإعانة والتسديد وأنها لا وجود لها , ويقرون بالاستطاعة التي تكون قبل الفعل والتي هي مناط التكليف والتي يتعلق بها الخطاب .
المذهب الثالث: مذهب الجبرية الأشاعرة , فهؤلاء ينكرون التي قبل الفعل , ويقولون لا تأثير لها ولا وجود لها , ويقرون بالاستطاعة التي مع الفعل فقط , والتي هي بمعنى التوفيق والتسديد , يقولون هي الأساس فإن حصلت من الله حصل الفعل وإن لم تحصل لم يحصل الفعل .
وهناك كلام طويل للعلماء في هذا الموضوع .
لكن خلاصة ما يقال في هذه المسألة أن أهل السنة والجماعة يقولون بالنوعين , والقدرية يقرون بالتي تكون قبل الفعل , والأشاعرة والجبرية يقرون بالتي تكون مع الفعل فقط .
(1) / تخريجه في التعليق الآتي .
(2) / رواه البخاري ( 1117 ) وأبو داود ( 952 ) والترمذي ( 372 ) وابن ماجه ( 1223 ) .
(3) / انظر دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في آخر أضواء البيان 10/331 , ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1 / 339