فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 153

( والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الرؤية حق للمؤمنين يوم القيامة , والرؤية من الصفات التي حصل فيها الخلاف بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من المعطلة , فجمهور المسلمين يثبتون الرؤية , ما عدا المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة فإنهم ينكرون الرؤية ويقولون الله سبحانه وتعالى لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة وعللوا ذلك بأن معنى الرؤية أن يقع البصر على شيء مقابل , وأن المرئي لا بد أن يكون منحازًا في مكان ينعكس عليه البصر , والله لو كان كذلك لكان منحازا في مكان , وهذا يدل على تنقص في حق الله هكذا يقولون , فنفوا الرؤية وصرفوا جميع النصوص الواردة فيها عن مدلولها إلى معانٍ تصوروها بعقولهم أو سفسطوا (1) وغالطوا , وهم يعلمون أن تأويلاتهم باطلة .

الحاصل أن المعتزلة والجهمية وبعض الأشاعرة أنكروا الرؤية بتاتًا , أما جمهور الأشاعرة فإنهم أثبتوا الرؤية ولكن أثبتوها بطريقة ليست بالطريقة التي أثبتها أهل السنة والجماعة , فإنهم قالوا إن الله يرى والرؤية من صفاته ولكن يرى لا في مكان , أرادوا أن يتخلصوا من شبهة المعتزلة والجهمية وهو أن المرئي يجب أن يكون في مكان منحاز , ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأشاعرة في مسألة الرؤية هم مخنثو المعتزلة , بمعنى أنهم لا هم معتزلة وجهمية فيطردون الباب وينكرون الرؤية , ولا هم من أهل السنة والجماعة فيقرونها , فسماهم مخنثي المعتزلة , كما أن الخنثى لا هو ذكر ولا أنثى , أما أهل السنة والجماعة وأكثر المسلمين من غيرهم فإنهم يثبتونها لله سبحانه وتعالى و أدلتهم كثيرة في القرآن وفي الحديث , كقوله سبحانه وتعالى: ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) ناظرة يعني تنظر إلى الله سبحانه وتعالى وكذلك: قوله: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) فسر المحققون من المفسرين أن الزيادة هي النظر إلى الله سبحانه وتعالى (2) , وكذلك قوله سبحانه وتعالى ( كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ) إلى أن قال: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) فلما ذكر أن من عقاب الكافرين أن يحجبوا عن رؤية الله دل ذلك على أن غيرهم لا يحجب وأنه يرى الله سبحانه وتعالى , وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) (3) , فالرؤية في حق المؤمنين لله واجبة عند أهل السنة والجماعة ولا شك في ثبوتها .

أما نفاة الرؤية فيزعمون - كما سبق - أن العقل يدل على أن كل مرئي لابد أن يكون متشكلًا بشكل ومنحازًا في مكان حتى تقع عليه أشعة البصر , وهذا لا يحق وجوده في حق الله سبحانه وتعالى , وأضاف نفاة الرؤية إلى الدليل العقلي هذا قوله تعالى في خطابه لموسى: ( لن تراني ) , قالوا: وهذا يدل على أنه لا يرى , والسلف أجابوا عن هذا بأن معنى: ( لن تراني ) أي: لن تقدر على رؤيتي في هذه الدنيا , الله سبحانه وتعالى رؤيته ليست سهلة يسيرة يقوى عليها بصر الإنسان العادي , فلا يمكن أن يرى إلا إذا أعطي البصر قوة خارقة زائدة عن عادة البصر في الدنيا , فقال موسى لما قال: ( رب أرني أنظر إليك ) قال: ( لن تراني ) يعني لست في حالة تمكنك من رؤيتي لأن بصرك قاصر , فليس معنى لن تراني أي لا أرى , الله سبحانه وتعالى لو كانت رؤيته مستحيلة لقال لموسى إنني لا أرى , لكنه قال لن تراني أي لن تراني في هذه الدنيا.

و من الأدلة التي قلبها أهل السنة على نفاة الرؤية أن ( لن ) في قوله تعالى ( لن تراني ) لا تعني مطلق التأبيد , بل تعني نفي الرؤية لوقت معين , والدليل على هذا أن الله تعالى ذكر عن الكفار أنهم ( لن ) يتمنوا الموت , كما في قوله عز وجل: ( ولن يتمنوه أبدا ) أي الموت , وفي الآية الأخرى بين أنهم تمنوه , كما في قوله تعالى: ( وقالوا يا مالك ليقض علينا ربك ) , فاستعمالهم ( لن ) في الآية الأولى يعني أنهم لن يتمنوا الموت لزمن معين , وأما الآية الثانية فتدل على أنهم سيطلبون الموت , وأن لن في آية موسى تدل على امتناع الرؤية لوقت معين .

وكذلك قوله تعالى عن قوم موسى: ( وقالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) ورجوع موسى عليه السلام يقطع التأبيد .

وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) يعني إذا أذن له أبوه برح .

ورؤية الله سبحانه وتعالى في الدنيا محل خلاف بين السلف , أهل السنة والجماعة مجمعون على أن غير الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يرى الله في الدنيا لعجز بصره عن ذلك بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ( حجابه النور لو كشفه لأحد لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) (4) يعني أن أبصار الناس في الدنيا لا تقوى على مقابلة الله ورؤيته , لكن اختلفوا في محمد صلى الله عليه وسلم هل رأى ربه في الدنيا أو لم يره , الجمهور على أنه لم ير ربه , وبعض السلف ومنهم الصحابة يقولون إنه رأى ربه , و منشأ الخلاف في قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل: هل رأيت ربك قال: ( نور أنَّى أراه ) وفي لفظ: ( نور أنّي أراه ) أو قال في لفظ آخر: ( رأيت نورًا ) , فقالوا قوله صلى الله عليه وسلم (نور أني أراه ) يدل على أنه رآه في الدنيا (5) .

وما ذكر عن شيخ الإسلام رحمه الله في جواز رؤية الله سبحانه وتعالى في المنام فليست من الرؤيا التي فيها الخلاف , لأنها رؤية منام وليست حقيقة (6) , وقوله صلى الله عليه وسلم: ( تعلّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه عز وجل حتى يموت ) (7) المقصود به الموت الحقيقي وليس النوم .

أما رؤيته في الآخرة فكما سبق - السلف وأئمة الهدى والدين كلهم مجمعون على أن الله سبحانه وتعالى يراه المؤمنون وأن أفضل النعيم الذي يعطيه عباده يوم القيامة هو النظر إلى وجهه الكريم (8) .

وبالنسبة لخلاف السلف في هذه المسألة أو في غيرها يستدل به بعض الناس فيقول أنتم تنكرون على من خالفكم في العقيدة وتبدعونه , وهذا خلاف السلف أنتم تنقلون عنهم في هذه المسألة , نعم نحن نقول إن السلف اختلفوا فيها بناء على اختلاف لفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم , فكل منهم ينزع بلفظ , ولم يختلفوا كاختلافكم وصرفكم النصوص عن ظواهرها , فالذين قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهم القليل استدلوا بقوله: ( نور أني أراه ) , أما الكثير وهم الذين قالوا: لا يرى , استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ( نور أنّى أراه ) , واستدلوا بقول عائشة رضي الله عنها لما سألها مسروق بن الأجدع: هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه ؟ قالت: ( قف شعري مما قلت .! من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب ) الحديث (9) , وقوله: ( نور أنى أراه ) هذا رأي استدل به قوم , وقوم استدلوا بلفظ: ( نور أني أراه ) فالسلف اختلافهم على نصوص شرعية صحيحة ,لم يختلفوا كمخالفة المعتزلة والجهمية والأشاعرة الذين اعتمدوا على مقدمات عقلية كاذبة , والذين يضربون بالنص عرض الحائط ويأتون له بمعنى من تلقاء أنفسهم , وفرق بين هذا وهذا .

قوله: ( لأهل الجنة ) احترازا من الكافرين كما في قوله تعالى: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) , وأما ما رواه البخاري ( أن الله سبحانه وتعالى يأتي يوم القيامة في صورة غير صورته فيسجد له كل مؤمن , ويبقى من كان يسجد لله رياءا وسمعة فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ) (10) فهذا الحديث ليس فيه أن المنافقين يرون ربهم .

وقيل إنهم يرونه ولكن ليس كرؤية المؤمنين , بل رؤية غضب .

قوله: ( بغير إحاطة ) الإحاطة معناها الإدراك , أن يكون الرائي يحيط بالمرئي من جميع جهاته , يراه رؤية محيطة , ولهذا أجاب السلف عن شبهة نفاة الرؤية حينما استدلوا بقوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار ) أجابهم السلف وقالوا: إن الرؤية غير الإدراك , فالرؤية هي مجرد رؤية المرئي , والإدراك إحاطة البصر بالمرئي إحاطة كاملة , فالله سبحانه وتعالى يرى لكن لا يحاط به رؤيةً , فقوله: ( بغير إحاطة ) يعني أن أهل الجنة إذا رأوا الله لا يحيطون به رؤية وإنما يرونه فقط .

أنت الآن ترى السماء , فهل تحيط بجميع السماء الآن , والأرض أيضًا تراها هل تحيط بها رؤية ؟ هذا الفرق بين الرؤية والإحاطة .

وقوله: ( ولا كيفية(11) لا نكيفه ,كيف نراه ؟ هل نراه كذا وعلى كذا وعلى هيئة كذا , بل نراه فقط كما أخبرنا سبحانه وتعالى , وأخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم , وأما كيف نراه فهذا يقال فيه كما قال مالك رحمه الله لما سئل: كيف استوى ؟ قال: ( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة , واخرجوا عني هذا الرجل المبتدع أو لا أراه إلا مبتدعًا ) (12) فمن سأل: كيف نراه ؟ نقول الرؤية معلومة والكيف مجهول والإيمان بها واجب والسؤال عنها بدعة .

فالله سبحانه وتعالى أعظم من أن يدركه أحد ويحيط به أو يحيط به علم .

(1) / يقول الشيخ حمود في شرح التدمرية: السفسطة كلمة يونانية مركبة من سوف سطا , أي مموه الحكمة , ومعناها المغالطة وإظهار الباطل مظهر الحق , وهي إحدى طرق الاحتجاج عند أهل المنطق .

وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا ثم قال: وإن كان لفظ السفسطة قد صار في عرف المتكلمين عبارة عن جحد الحقائق .

انظر التسعينية 1/ 253 ت د محمد العجلان

(2) / روى الترمذي ( 2552 ) عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعدا , قالوا: ألم يبيض وجوهنا وينجينا من النار ويدخلنا الجنة ؟ قالوا: بلى , قال: فيكشف الحجاب , قال: فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم عن النظر إليه ) .

وانظر صحيح البخاري بعد حديث ( 4679 ) ومسلم ( 181 ) .

(3) / رواه البخاري ( 554 ) ومسلم ( 633 ) .

(4) / رواه مسلم ( 179 ) وابن ماجه ( 195 - 196 )

(5) / ابن القيم رحمه الله جمع بين الأقوال في هذه المسألة فقال: ( وقد حكى عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية له إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج ، وبعضهم استثنى ابن عباس فيمن قال ذلك ، وشيخنا يقول ليس ذلك بخلاف في الحقيقة ، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه وعليه اعتمد أحمد في إحدى الروايتين حيث قال إنه رآه عز وجل ولم يقل بعيني رأسه ولفظ أحمد لفظ ابن عباس رضي الله عنهما ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر رضي الله عنه قوله في الحديث الآخر حجابه النور فهذا النور هو والله أعلم النور المذكور في حديث أبي ذر رضي الله عنه رأيت نورا )

انظر اجتماع الجيوش الإسلامية 1/12 وزاد المعاد 3 / 37 ومجموع الفتاوى 6/509 .

(6) / ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى ( 3 / 390 ) أن المؤمن قد يرى ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه , فإن كان إيمانه صحيحا لم يره إلا في صورة حسنة , ثم قال: ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة ..

انظر بيان تلبيس الجهمية ت القاسم 1 / 73 - 74 .

(7) / رواه مسلم ( 2631 ) والترمذي ( 2235 ) وابن ماجه ( 4077 ) .

(8) / روى مسلم في صحيحه ( 181 ) عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد: إن لكم عند الله موعدا , قالوا: ألم يبيض وجوهنا وينجينا من النار ويدخلنا الجنة ؟ قالوا: بلى , قال: فيكشف الحجاب , قال: فوالله ما أعطاهم شيئا أحب إليهم عن النظر إليه ) ورواه الترمذي ( 2552 ) .

(9) / رواه البخاري ( 4855 ) ومسلم ( 177 ) .

(10) / روه البخاري ( 7439 ) ومسلم ( 183 ) .

(11) / رؤية الله تعالى لها كيفية لكننا لا نعلمها , أما الرؤية بلا كيفية - كما تقول الاشاعرة انه يرى من غير جهة - فغير معقول .

(12) / أثر مالك أخرجه اللالكائي ( 664 ) والبيهقي في الأسماء والصفات ص ( 408 ) والبغوي في شرح السنة 1 / 17 , والذهبي في العلو وصحح إسناده 2/ 952 , وجود إسناده ابن حجر في الفتح 13 / 407 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت