بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد
فإنه لا يشك عاقل مطلع أن الأمة الإسلامية لا تزال تعاني خللا واضحا في فهمها للمعتقد الصحيح , وكانت مثل هذه الأحداث الأخيرة التي اخترق فيها العدو الصليبي بلادنا بأسهل طريق من أمثل الأدلة على أننا نحتاج إلى تصحيح شامل عام يشمل أكثر مناحي الحياة العلمية والعملية , مما يَضطر هذا الواقع إلى أن تكشف منطلقات هذا المخترِق الثالوثي بوجهه المادي الجديد , حتى يغلق المعنيون تلك الثغرات التي ولج من خلالها إلى هذا العمق من بلاد المسلمين , وقد استجمع قواه واستدعى كل طاقاته ليعيد نفس سلسلة الحروب الصليبية السابقة .
ولعل في التاريخ القريب ما يثبت لنا جليا أننا أمام تكرار لحلقات سابقة مرت بها الأمة الإسلامية , ظهرت فيها حقيقة تلك الشعارات البراقة والتي تصيد بها العدو المخدوعين منا , كشعارات حرية الرأي والفكر , وحرية العقائد , وحقوق الأقليات , وتقارب الأديان , والديمقراطية وغيرها , وما تلك الدماء والأشلاء في فلسطين وأفغانستان والعراق وغيرها إلا أجلى صورة تظهر فيها حقيقية تلك الشعارات .
إن ما نراه من تشويه تصويري لهذه الأحداث وما نرى من تسليم فئات كثيرة من الأمة لهذا الاختراق ولهذا الواقع البائس سواء من رؤوس الناس أو من عامتهم - ليدفع أهل العلم إلى المسارعة في توضيح الحالة , وتنبيه الأمة , وقد كان أهل العلم على وجه الخصوص - وغيرهم من المطلعين - أول من توضع على عواتقهم مثل هذه الأحمال وهذه الهموم .
ثم في هذا اليوم الذي نرى فيه الأمة الإسلامية أحوج ما تكون إلى فهم معتقدها الصحيح وفهم واقعها - نرى فئات تنتسب إلى العلم والدين تقف سدا منيعا ضد إفاقة الناس من رقدتهم لفهم حقيقة واقعهم وتصحيح منهجهم , بل وتدعو إلى الإعانة على قيام مؤسسات وتجمعات تدعوا إلى التشويه وإلى الذلة والاستكانة .
فضلا عن تراجع فئات أخرى عن منهجها الصحيح وقد انهزمت وتضعضعت في أولى مراحل التصحيح , وقد أوهموا البعض أن هذه الانهزامية عبارة عن تكتيك يحتاجه المسلمون في هذه المرحلة - في نفس الوقت الذي تدعو فيه هذه الفئات إلى إقحام الأمة إلى مناهج أخرى أكثر سلمية في نظرهم , حتى جاء اليوم الذي يتنادى فيه هؤلاء إلى أن يلتحم أو ينتقل أهل السنة - بصورة أو بأخرى - إلى عقائد أخرى ومناهج ومؤسسات أخرى أجمعت الأمة على ضلالها وإضلالها .
و مع ما نراه من اتفاق بعض هذه الفئات مع بعض المناهج الخرافية والارجائية والليبرالية .. وما نراه من تحسينهم لصورة عقائد أخرى ضالة كالرافضة وغيرها .. وما نراه من مطالبتهم بالتعايش مع الغازي الصليبي وقد أعادوا لنا تجربة بني قريظة في غزوة الأحزاب .. وما نراه من التفاف هؤلاء مع أعوان الغزاة - مع ذلك كله - هاهم المنهزمون يرجفون بالأمة بقوة معسكر الصليب , في حالة لا يسمح فيها أن تطرح مثل مسألة لزوم المكافئة في القوة (1) في جهاد الدفع , مع أنه لا يخفاهم ذلك .
ولكن قد قال تعالى: ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ) .
وقد كان للشيخ حمود رحمه الله جهوده في كشف مثل هذا الفكر المنهزم وتبيين حاله أمام الناس , وقد ذكر رحمه الله في بعض المواضع أن كثيرا من أصحابه يتسترون لنشر فكرهم المنهزم بما رصدوه من تاريخ حافل استغفلوا فيه بعض الناس , وقد ناقش الشيخ بعضا منهم , وألزمهم بمنطلقاتهم السابقة .
ومع هذا الخضم المتلاطم من الأحداث الشائكة والتي تزحف بالأمة إلى ما نرى لا ننسى أن ننوه بأولئك الشبيبة النزاع من القبائل الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم في سبيل تخليص مقدسات المسلمين وبلادهم وحريمهم , وقد هابهم ما يُظن أنه أكبر قوة في الأرض , مع ما يكتنف هؤلاء الشباب من العجز المادي والمعنوي والمطاردة وغيرها , متمثلين بقول الأول:
ولست أبالي حين اقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع
مع صبر هؤلاء الشباب حتى على أقرب الناس إليهم وقد شوهوا صورتهم وألبسوهم ثيابا ليست لهم , والصقوا بهم تقتيل المسلمين وتكفيرهم وغير ذلك , وقد كان الأولى أن يوصف بذلك الملبِّسون أنفسهم ممن وقف مع أعوان الغزاة , حتى غدا الأمر بهذه الصورة المشوهة - في بعض الأحيان - على أوثق من يعرفهم , والله يتولى هؤلاء الشباب بنصره ومؤازرته سبحانه .
ولعل في إخراج هذا الشرح إسهاما في القيام ولو بشيء يسير مما ذكرنا , وقد تطرق فضيلة الشيخ في ثنايا الشرح إلى مسائل مهمة معاصرة يحتاج الكثير إلى توضيح صورها , كبعض مكر العدو الصليبي في تفريق المسلمين بإبرازه لأفكار ومناهج تدعو إلى ترك الجهاد والاعتياض عنه بأمور أخرى أقل أهمية في زمن صولة معسكره على بلاد المسلمين , وغيرها من المسائل .
وقد كان فضيلة الشيخ حمود رحمه الله شرح هذه العقيدة الطحاوية ارتجالا على بعض طلابه من مدينة الرس فيما يقارب عام 1414 هـ , سجل هذا الشرح في أشرطة كاسيت وهي متناولة في شبكة الانترنت وبين طلبة العلم , وقد قمت بتفريغها وتهذيبها وتنقيحها من بعض التكرار , وبالتقديم والتأخير في بعض المواضع , مع عزو الأحاديث والآثار إلى مصادرها , والتعليق على ما يحتاج إليه الأمر , وأضفت بعض الإضافات اليسيرة من شروح أخرى للشيخ دون عزو , نقلته عنه سماعا ولم يذكره الشيخ في هذا الشرح , وذلك لأن الشيخ رحمه الله كان يشرح هذا المتن دون تحضير له , وقد جعله مختصرا اختصارا شديدا جدا كما ذكر في أحد فصول الشرح فيما ستراه إن شاء الله (2) .
أما ما كان يعرضه الطلاب من أسئلة ومناقشات فقد أدرجت كثيرا من إجابات الشيخ في الشرح دون تنبيه , والبعض الآخر تركته لرداءة التسجيل ولعدم وضوح الصوت في بعض المواضع .
وقد كان السبب في نشر هذا المؤلف أمور منها:
أولا: الإسهام في نشر معتقد أهل السنة والجماعة , والرد على أهل الأهواء والبدع .
ثانيا: حرص كثير من العلماء وطلبة العلم على مؤلفات الشيخ ومعرفة رأيه حول مسائل مهمة في معتقد أهل السنة والجماعة .
ثالثا: خبرة الشيخ بأقوال الفرق واختلافاتهم وتبيينه ذلك .
رابعا: كون الشيخ طرح في هذا الشرح قضايا عقدية مهمة معاصرة تحتاج إليها الأمة شُوهت حقيقتها , كتحكيم القوانين الوضعية , والجهاد , والتعامل مع الحاكم المرتد , والتقارب مع المبتدعة وغير ذلك .
خامسا: سهولة الشرح ووضوحه .
فما كان فيه من خطأ فهو للمتصرف فيه , والله يكتب الأجر , ولسنا بمعزل عن الحاجة إلى إبداء النصيحة والتوجيه , وما كان فيه من صواب فنسبته إلى الله تعالى , وأسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر للشيخ حمود ويجعل منازله في عليين , وأن يأجر من أعان على نشر الكتاب , والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
موقع فضيلة الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي
غرة شوال 1429 هـ
(1) / ينظر التعليق أسفل ص 167 من هذا الشرح .
(2) / ينظر ص 195