فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 153

( ونؤمن بالكرام الكاتبين , فإن الله قد جعلهم علينا حافظين )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: الكرام الكاتبون هم الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد , لأن الله سبحانه وتعالى وكل بالعبد عند بلوغه ملكين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال يكتبون أفعال العبد وأقواله حتى النيات , يطلعهم الله على ما ينويه الإنسان فيسجلونه , والله سبحانه وتعالى أخبر عن ذلك في الكتاب العزيز فقال: ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) وقال بالنسبة لكتابة الأقوال: ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) أما بالنسبة لكتابة ما يَهِمُ به العبد وينويه فيستدل عليه بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: يقول الله تعالى لملائكته: ( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة , وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا ) (1) , وهذا دليل على أنهم يكتبون ما يَهِمُ به الإنسان ولا يقال إنهم يعلمون الغيب , الله سبحانه وتعالى يطلعهم على ذلك فيعلمونه ويكتبونه .

وهناك ملائكة غير الكرام الكاتبين , هناك ملائكة حفظة وهم الذين وكلوا بالإنسان يحفظونه من أمر الله أو يَحفظوا بأمر الله كما قال سبحانه: ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) الله سبحانه وتعالى جعل جماعات الملائكة المعقبين يحفظون الإنسان من ورائه ومن أمامه , فقوله ( يحفظونه من أمر الله ) أي بأمر الله , وليس المعنى أنهم يحفظونه ويمنعون أمر الله من أن يقع به , بل يحفظونه وحفظهم له حاصل بأمر الله لهم بذلك , وحرف ( من ) وحرف ( الباء ) كثيرا ما يتناوبان , وله أمثلة كثيرة من قول العرب , كقول الشاعر:

شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج (2)

فقوله: شربن بماء البحر , أي شربن من ماء البحر , فالباء هنا جاءت بدلا من ( من ) , وكذلك ( يحفظونه من أمر الله ) , ( من ) جاءت بدلا من ( الباء ) , وقوله: شربن بماء البحر يعني روينا بماء البحر , وشرب لا يعدى بـ ( الباء ) لا يقال شربت بماء كذا وإنما يؤول أو يفسر بروي , وهذا كثير يأتي في اللغة العربية كقول الشاعر:

علفتها تبنًا وماءًا باردًا ... حتى شتتْ همالة عيناها (3)

فالماء لا يعلف , ولكن يقولون: إنه ضمنه فعلا يؤدي الأمرين , ومعنى علفتها: ( ناولتها ) أو أعطيتها تبنا وماء , أو أطعمها , أو أن ذلك يؤول بوجه آخر فيكون هناك فعل محذوف هو العامل بالماء , فيكون المعنى علفتها تبنا وسقيتها ماءا وهذا وجه آخر .

ومثل هذا البيت أيضا بيت الشاعر الذي يقول فيه:

إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا (4)

التزجيج خاص بالحواجب , فخرج على أحد الوجهين , كما خرج في البيت السابق , قالوا إنه ذكر فعلًا - الذي هو التزجيج - يصلح للأمرين , فيكون زججنا بمعنى حسنّ , أي حسنّ الحواجب وحسنّ العيون , وحسنّ تصلح للحواجب وتصلح للعيون , أو الوجه الآخر: يقدر للعيون فعل مناسب محذوف فيكون المعنى: زججنا الحواجب وكحلنا العيون , والتزجيج هو الأخذ من الحواجب مأخوذ من الزِّج , و زج الرمح دقيق جدًا فتدقق حواجبها وتجعلها كزج الرمح .

والكرام الكاتبون ملائكة يتعاقبون , كما قال صلى الله عليه وسلم: ( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون ) (5) .

وقوله: ( يتعاقبون فيكم ملائكة ) استعمل صلى الله عليه وسلم لغة: أكلوني البراغيث , ولغة أكلوني البراغيث هي أن يأتي بعد ضمير المتكلم أو المخاطب أو الغائب اسم ظاهر .

( الواو ) هنا في ( يتعاقبون ) عبارة عن فاعل , لكن ( ملائكة ) ماذا نفعل بها ؟

قالوا يخرج على أحد ثلاثة أوجه:

1 -إما أن يكون الاسم الظاهر بدلا من الضمير فيعرب إعرابه , يكون الضمير هو الفاعل والاسم الظاهر الذي يأتي بعده بدلا منه , فنقول الواو هنا فاعل و (ملائكة ) بدل من الواو .

2 -أو يقال تكون الجملة اسمية وملائكة مبتدأ مؤخر , و ( يتعاقبون فيكم ) فعل وفاعل , وتكون الجملة في محل رفع خبر مقدم كأنه يقول: ملائكة يتعاقبون فيكم , فقدم الخبر على المبتدأ .

3 -وهناك وجه آخر وهو أضعف الوجوه: أن يجعل الضمير حرفا فيقال عند إعراب يتعاقبون: الواو حرف دال على الجمع , وملائكة فاعل , لكن هذا أضعف التوجيهات .

وهذه اللغة وإن كانت لقبيلة خاصة من العرب إلا أنها كثيرا ما تأتي في شعر الشعراء , يقول الشاعر:

يلومونني في اشْتراء النخيـ ... ـل أهلي , فكلهمُ يعذل (6)

فأهلي بدل من الواو في يلوموني , أو على حسب الأوجه الثلاثة التي سبقت .

ومثله قول الشاعر:

رأين الغواني الشَّيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواظر (7)

النون في رأين فاعل , و الغواني إما بدل منه وإما مبتدأ مؤخر , وإما أن تكون النون حرفا دالا على جمع النسوة كالتخريج السابق .

(1) / رواه البخاري ( 7501 ) ومسلم ( 128)

(2) / البيت لأبي ذؤيب الهذلي , ينظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ت محمد محي الدين عبدالحميد 2/10

(3) / البيت نسبه الفراء إلى بعض بني أسد في معاني القران 1 / 14 وفي 3 / 124 نسبه إلى بعض بني دبير , وانظر خزانة الأدب 3 / رقم 181

(4) / البيت للراعي النميري واسمه عبيد بن عمير , ينظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ت محيي الدين عبدالحميد 2/221

(5) / رواه البخاري ( 555 ) ومسلم ( 632 )

(6) / ينظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1/ 427

(7) / ينظر شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1 / 428

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت