( نرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: نرجو للمحسن ونخاف على المسيء , هذا مذهب أهل السنة والجماعة في مسألة الشهادة للمعين بالجنة أو بالنار , إذا رأينا الإنسان يعمل أعمالا صالحة ومستقيما على طاعة الله فإننا نرجو له الخير بمقتضى إحسانه , ولا نشهد له بالجنة , وإذا رأينا إنسانا مسرفا على نفسه بارتكاب المعاصي والإساءة فإننا نخاف عليه من عقاب الله ونخشى عليه ونشفق عليه , ولكن لا نشهد له بالنار أو نقنطه من رحمة الله , هذه القاعدة التي عليها مذهب أهل السنة والجماعة .
وهو هنا يشير إلى أن الإنسان المحسن يستحق الجنة ولكن يستحقها بفضل من الله ورحمته سبحانه لا أن مقتضى العمل يكفي في إدخال العبد الجنة , ومسألة تعلق الثواب و العقاب بالعمل (1) فيها ثلاثة أقوال للعلماء:
المذهب الأول: أن أي عمل يعمله الإنسان لا يكون وحده كافيا في استحقاقه للجنة بل لابد أن ينضم إلى ذلك فضل الله ورحمته سبحانه وتعالى ولكن الأعمال الصالحة أسباب تقتضى الثواب , بمعنى أن الثواب والعقاب يتعلقان بالعمل الصالح تعلق المسبب بالسبب , وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة , ومن أدلتهم قوله سبحانه وتعالى ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعلمون ) أي بسبب أعمالكم .
المذهب الثاني: مذهب القدرية والمعتزلة , وهو أن الثواب والعقاب يتعلقان بالعمل تعلق العِوض عن المعوّض , يعني أنه إذا وجد العمل الصالح تحتم وجود الثواب وإذا وجد العمل السيئ تحتم وجود العقاب , وأنه لا دخل لمشيئة الله وأرادته وفضله وإحسانه في ذلك .
المذهب الثالث: مذهب الأشاعرة وكثير من الجبرية وهو أن الثواب والعقاب لا تعلق لهما بالعمل مطلقا , وإنما يتعلقان بمشيئة الله وإرادته وقضائه وقدره , فمن قضى الله أن يكون مثابا فإنه يثاب سواءا كان محسنا أو مسيئا , ومن قضى الله أنه يعاقب فإنه سيعاقب سواءا كان محسنا أو مسيئا فلا علاقة للعمل بالثواب والعقاب مطلقا عند هؤلاء .
فأهل السنة والجماعة استدلوا بقوله تعالى: ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) ونحوها , وعلقوا الثواب والعقاب على العمل أنه سبب له .
أما المعتزلة والقدرية فإنهم أخذوا بهذه الآية أيضا ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) وقالوا إنها تدل على أن الثواب عوض عن العمل بمجرده من غير أن يكون لله سبحانه وتعالى في ذلك فضل ولا مشيئة ولا إرادة .
وأما منزع الجبرية ومن معهم فإنهم استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه و فضل ) (2) .
فالقدرية استدلوا بالآية التي ذكرتها على أن الثواب عوض للعمل , والجبرية والأشاعرة استدلوا بالحديث على أن العمل لا يكون مقتضيا للثواب والعقاب لا من حيث التسبب ولا من حيث الحقيقة , ولكن أهل السنة والجماعة جمعوا بين الدليلين .
هو صحيح أن قولكم: ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) ظاهره أن العمل يدخل الجنة ويدخل النار , وقوله: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) ظاهره أن العمل لا يمكن أن يكون سببا لدخول الجنة أو لدخول النار لكن السلف جمعوا بين النصوص وقالوا: إن ( الباء ) في قوله ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) هي باء السبب , أي أدخلوا الجنة بسبب عملكم , لا أن العمل وحده مقتضي لدخول الجنة أو النار , قالوا: وأما ( الباء ) في الحديث: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) فهي باء العوض أي لن يكون عمل أحدكم كافيا في إدخاله الجنة , بل لابد أن ينضم إلى العمل أمور أخرى كإرادة الله وإحسان الله وفضل الله سبحانه وتعالى ونحو ذلك .
فالمعتزلة الذين تمسكوا بظاهر الآية ما وفقوا إلى الحق .
والأشاعرة والجبرية الذين أخذوا بظاهر الحديث ما وفقوا إلى الحق .
فكان الحق مع أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين النصوص .
وأما الجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) فإن أهل السنة والجماعة كما قلت أجابوا عن ذلك بان الباء هنا للعوض , وقالوا إن الرسول عليه الصلاة والسلام يخبر بأن العمل لا يمكن أن يكون بمجرده عوضا لدخول الجنة وإنما فيه الإشارة إلى أن عمل الإنسان مهما بلغ ومهما كان لا يكفي وحده لدخول الجنة وذلك أن الله سبحانه وتعالى تفضل على عباده وأنعم عليهم وأحسن إليهم في هذه الدنيا بشتى أصناف النعم وأن كل عمل يعمله الإنسان مهما كان فإنه لا يمكن أن يقوم بشكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه لولا أن الله يعفو ويتجاوز ويتفضل .
ويستدل على هذا المعنى بالحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه كان فيمن كان قبلكم رجل منقطع للعبادة في صومعته لا يشتغل بشيء سوى العبادة أطلاقا حتى رزقه يجريه الله عليه بحيث هيأ له شجرة رمان تثمر له كل يوم حبة من الرمان فيتقوتها ويتغذى بها , وأجرى عند صومعته عينا عذبة يشرب منها فما يشتغل حتى بكسب رزق , بل هو متفرغ للعبادة , قال عليه الصلاة والسلام: فإذا كان يوم القيامة يؤتى بهذا الرجل إلى الله ويعرض عليه فيقول سبحانه وتعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي , قال: فيتكاثر عمله ويقول: لا يا رب , بل بعملي , فيقول الله سبحانه وتعالى: زنوا أعماله الصالحة وزنوا النعم التي أنعمت بها عليه وقابلوا النعم بالأعمال التي عملها وفعلوا , قالوا: فلم تقابل أعماله كلها نعمة البصر التي من الله بها عليه وأنعم بها عليه , فلما رأى ذلك قال: يا ربي برحمتك .
فقوله عليه الصلاة والسلام: ( لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله ) يعني أن العمل وحده لا يمكن أن يكون كافيا لدخول الجنة بل العمل سبب , ولابد أن ينضم إليه مكملات السبب ومقتضياته , كتفضله سبحانه وتعالى ومشيئة وإرادته وإحسانه على عباده .
(1) / هذه المسألة غير مسألة الشهادة بالجنة أو النار للمعين .
(2) / رواه البخاري ( 6467 ) ومسلم ( 2818 )