ــــــــــــــــــــــ
الشرح: أهل السنة والجماعة من قواعدهم أنهم لا يكفرون بالذنوب ما لم تكن الذنوب مكفرة بمقتضى نص شرعي , أو ما لم يستحل المرتكب للذنب ذنبه , هذه قاعدة يسير عليها أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا , وهذه المسألة للناس فيها أربعة مذاهب .
المذهب الأول: هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإنسان المسلم لا يخرج من الإسلام ولا من الإيمان بمقتضى ذنب يرتكبه ما لم يكن ذلك الذنب مكفرًا أو ما لم يستحله , وهذا أدلته كثيرة في الكتاب والسنة , ونصوص القرآن بتسمية العاصي أو الفاسق مؤمنًا كثيرة , والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه كثير أيضا , ومن أقوى ما يستدل به أهل السنة والجماعة على أن المعاصي لا توجب الكفر وأن الإنسان لا يخرج من الإسلام والإيمان بمقتضى الذنب قوله سبحانه وتعالى: ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) وقوله: ( إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم ) فجعل الفئة الخارجة على الفئة الأخرى - سواء أكانت الفئة الدولة أو فئتان من المسلمين اقتتلوا فالخارج مرتكب لذنب كبير ومع هذا عدَّه الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مؤمنا , فأهل السنة والجماعة لا يخرجونه من الإيمان بمقتضى الذنب وإنما يحكمون عليه بنقص الإيمان , ويقولون مؤمن ناقص الإيمان أو يعبرون عنه بقولهم: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته , وهذا مقتضى النصوص .
والنبي صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب الخمر فقال: ( اضربوه ) ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: فمنّا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه , فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله ! قال: ( لا تقولوا هكذا لا تعينوا الشيطان على أخيكم ) (2) رجل سكران وحُدَّ ومع هذا عده عليه الصلاة والسلام أخًا للذي سبه أو شتمه أو قذفه , فدل ذلك على أن الذنب لا يخرج به المسلم والمؤمن من الإيمان .
وكذلك قوله سبحانه وتعالى ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) هذه الآية الكريمة عدت القاتل أخا لولي القصاص , ولا معنى للأخوة هنا إلا أخوة الإسلام والإيمان .
الحاصل أن النصوص مستفيضة في تأييد مذهب أهل السنة والجماعة في أن المسلم إذا ارتكب معصية لا يخرج بها من الإيمان بل ينقص إيمانه بقدر ذلك الذنب وأدلة هذا كثيرة .
بعض فرق المعتزلة يسمون العاصي فاسقًا ولكن ليس حكمهم كحكم أهل السنة عليه بالفسق , فهم يسمونه فاسقا تسمية فقط , وفي الدنيا يحكمون عليه بحكم الإسلام بالأحكام الظاهرة , وأما في الآخرة فهو مخلد في النار سواء سموه فاسقًا أو سموه بمنزلة بين المنزلتين .
المذهب الثاني: الخوارج والمعتزلة , وإن كان بينهما بعض الفروق إلا أن مؤدى مذهبهم واحد في الآخرة , فالخوارج يحكمون على مرتكب الكبيرة بالكفر والخروج من الإيمان في الدنيا والخلود في النار في الآخرة , والمعتزلة يحكمون عليه بالخروج من الإيمان في الدنيا ولكن لا يحكمون عليه بالكفر بل يقولون إنه خرج من الإيمان وبقى في مرتبة بين الكفر والإيمان يسمونها المنزلة بين المنزلتين , وهذا أصل من أصول المعتزلة .
والمعتزلة أصول الدين عندهم خمسة كما لا يخفى على الكثير:
1 -التوحيد .
2 -والعدل .
3 -والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
4 -وإنفاذ الوعيد .
5 -والمنزلة بين المنزلتين , و هي خروج العاصي بمعصيته من الإيمان وبقاؤه بمنزلة دون الكفر , هذه نقطة الخلاف بين الخوارج والمعتزلة , الخوارج والمعتزلة متفقون كلهم على أنه يخرج من الإيمان بمجرد ارتكابه للمعصية , لكن الخوارج يوافقونهم على هذا ويخالفونهم في الحكم عليه بعد خروجه من الإيمان , يقولون بأنه بخروجه من الإيمان دخل الكفر وأصبح كافرًا حلال الدم والمال .
أما المعتزلة فيقولون كذلك ولكن يجعلونه في طبقة من النار - أعوذ بالله - أخف من عذاب الكافرين , ولا دليل لهؤلاء الخوارج والمعتزلة إلا ظواهر نصوص لا تدل على ما ذهبوا إليه كقوله سبحانه وتعالى ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) يقولون إن هذه الآية دليل على أن العاصي لا يشفع فيه ولا يخرج من النار أبدًا , وكذلك تقول المعتزلة إن قوله سبحانه وتعالى ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) يقولون هذا نص في أن من يدخل النار فإنه لا يخرج منها , فإنه إذا استحق خزي الله فلا يليق به أن يدخله الله الجنة ويبقى في النار خالدًا مخلدًا فيها .
فأما استدلالهم بقوله ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين) فهذا خاص بالكفار كما دلت عليه الآيات التي بعدها وقبلها .
وأما استدلالهم بقوله سبحانه ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) فقد أجاب عنه السلف بأن الخزي هنا ليس الذي معناه الإبعاد - اللعن والغضب وإنما معناه الخجل , يعني ربنا إنك من تدخل النار من المسلمين فقد سببت له الخجل , لأنه إذا حكم عليه بالنار ودخل النار ورآه أقاربه وأصحابه الذي يظنون أنه مجتنب للكبائر ومتباعد عنها إذا رأوه في النار فإنه يخجل منهم يخزى , فمعنى قوله ( فقد أخزيته ) فقد أخجلته (3) .
فالحاصل أن مرتكب الكبيرة عند المعتزلة والخوارج لا يخرج من النار أبدًا أما عند أهل السنة والجماعة فإن مرتكب الكبيرة إذا مات مصرًا عليها ولم يكن مستحلًا لها ولم تكن تلك الكبيرة من المكفرات فإنه يحتمل أحد أمرين:
الأول: أما أن يتفضل الله عليه ويعامله بالفضل ويعفو عنه ويغفر له ويدخله الجنة من أول وهلة .
الثاني: وإما أن يدخله النار ليطهره بمقتضى أعماله السيئة ثم يخرجه من النار بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين .
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وهم لا يختلفون في هذا الأصل أبدًا .
المذهب الثالث: مذهب المرجئة , والمرجئة قوم يعتمدون على نصوص الرجاء ويرجحونها على نصوص الوعيد , وسمّوا بهذا الاسم لهذا السبب .
وهم طبقات:
الطبقة الأولى: المرجئة المحضة , وهم الجهم بن صفوان وأتباعه , هؤلاء يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب مطلقا , فالمؤمن العارف ما دام أنه عرف الله لا يضره ذنب مهما كان ذلك الذنب سواء كان تركا للصلاة أو ارتكابا للفواحش لأن الإيمان عندهم مجرد المعرفة (4) .
وهؤلاء الطبقة كفار , لأنهم يحكمون على ترك العمل وعلى ارتكاب العمل المحرم بأنه لا يضر , ولا يشترطون في الإيمان الإقرار والتصديق , يقولون إذا كان عارفًا فهو مؤمن كامل الإيمان ولا يضره أي ذنب فعله , ولذا قال السلف رضوان الله عليهم: يرد على هذا بأن إبليس وفرعون وغيرهم من الذين عرفوا الله هل كانوا مؤمنين كاملي الإيمان .
الطبقة الثانية: مرجئة الفقهاء , وهم الذين أخرجوا العمل عن حقيقة الإيمان وقالوا إنه لا يسمى إيمانا , وهؤلاء أخف بكثير من المرجئة المحضة , لأن هؤلاء لا يبيحون ارتكاب المعاصي ولا يبيحون ترك الواجبات , ويوجبون على المسلم أن يعمل الواجب وان يترك المحرم , لكنهم لا يجعلون العمل من مسمى الإيمان .
(1) / الطحاوي رحمه الله أراد هنا أن يرد على الخوارج القائلين بالتكفير بالكبائر , وابن أبي العز نقل امتناع كثير من الأئمة من إطلاق قول الطحاوي هذا , قال رحمه الله: بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب ( الشرح ص 433 ت التركي ) . مع انه سيأتي بعد قليل قول الطحاوي ( ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه ) وهذا إرجاء واضح مخالف لمذهب أهل السنة كما سيأتي تبيين الشيخ حمود لذلك , ولهذا فقد ميز الشيخ هنا قول أهل السنة بأنهم لا يكفرون بالذنوب مالم تكن الذنوب مكفرة , وهذا قيد مهم .
(2) / رواه البخاري ( 6781 ) وأبو داود ( 4487 ) .
(3) / قال ابن فارس في مادة ( خزو ) :
ومن هذا الباب قولهم خزي الرجل: استحيا من قبح فعله .. قال جرير:
وإن حمىً لم يحمه غير فرْتني ... وغير ابن ذي الكيرين خزيان ضائع
(4) / قال ابن حزم في الفصل: الثاني ( يعني من فرق المرجئة ) : الطائفة القائلة إن الإيمان عقد بالقلب , وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية , وعبد الأوثان أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام , وعبد الصليب وأعلن التثليث في دار الإسلام , ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله عز وجل , وليّ لله تعالى من أهل الجنة , وهذا قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي .
الفصل 3 / 122 ت يوسف البقاعي