ــــــــــــــــــــــ
الشرح: قوله: ( ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة ) كالمنجم والساحر وغيره , فإن الكهانة والسحر والعرافة والتنجم كل هذه أفعال محرمة وكلها يشبه بعضها بعضا .
فالساحر: هو الذي يتعاطى السحر .
والسحر: معناه في اللغة مأخوذ من الخفاء واللطف , وكل ما دق ولطف وخفي سببه فإنه يسمى سحرا , ولهذا يسمى آخر الليل سحرًا لخفائه وظلمته ولقلة من يسير فيه , والسَّحر الذي يكون في الحيوان سمي سَحَرًا لأنه يكون في آخر مجنة الصدر خفي , وسواء أكان السحر سحرا حقيقيا بالعقاقير أو بالنفث والعقد وغيرها أو كان أمرًا آخر بالشعوذة والدجل وغيرها فإنه كله يسمى سحرًا .
والسحر تعلمه محرم وتعاطيه محرم , ولا يجوز للإنسان أن يذهب إلى الساحر ليسحر له لقوله عليه الصلاة والسلام: ( من آتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) (1) وقوله: ( من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ) (2) .
من العلماء من يرى أن السحر كفر وأن الساحر كافر , لأنه يتقرب إلى الشياطين بعمله السحر من نفث ورقى , وكذلك العقاقير التي يعملها , ولأجل هذا حكم عليه بالكفر عند بعض العلماء .
وبعض السلف يرون أنه يقتل كفرًا وبعضهم يرى أن يقتل حدًا ولا يصل إلى درجة الكفر , وبعضهم يقول إن قَتل بسحره قُتل وإن لم يقتل بسحره فإنه يعزر تعزيرا رادعا يردعه ويمنعه من تعاطي السحر .
وكذلك اختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو هو تخييل , والراجح عند السلف والخلف أن السحر له حقيقة يؤثر بالمسحور حقيقة , يؤدي إلى مرض المسحور وقد يؤدي إلى التفريق بين الرجل وزوجه بمعنى أنه يجعل أحدهما يكره الآخر حتى تحصل الفرقة بينهما .
والرسول عليه الصلاة والسلام سُحر حقيقة , حتى قالت عائشة رضي الله عنها كان يخيل إليه أنه يفعل الأمر ولا يفعله (3) بسبب ما أصيب به من السحر حينما سحره اليهودي لعنه الله , وكان السحر قد أثر فيه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالأمور الدنيوية أما الوحي وأما ما يخبر به عن الله فلم يكن للسحر عليه تأثير ولم يكن له عليه أثر (4) .
وعلى كل تقدير فجمهور المسلمين متفقون على أن الساحر يقتل سواء قتل ردة عند من يرى أن الساحر كافر , أو يقتل حدًا عند من يرى أنه لا يكفر بسحره وإنما يقتل لأنه ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم قتلوا السحرة (5) , فحفصة أم المؤمنين ثبت عنها أنها قتلت جارية لها سحرتها فأمرت بها فقتلت (6) , وكذلك جندب رضي الله عنه رأى ساحرا بالبصرة يسحر الناس ويريهم أنه يقطع رأسه ثم يعيده فضربه بالسيف فقطع رأسه وقال الآن أعده (7) , ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( حد الساحر ضربه بالسيف ) (8) .
لأجل هذه النصوص وأمثالها ذهب جمهور المسلمين إلى أن الساحر يقتل سواء وصل به سحره إلى الكفر أم لا .
ورأي الجمهور أن للسحر حقيقة - كما تقدم - وأنه يمرض ويعطل الرجل عن امرأته , ويفرق بينهما , ويمرض العقل و الجسم وله أثر ملموس .
وبعضهم قالوا إن السحر تخييل وليس له حقيقة , وإنما هو تمويه من الساحر وتخييل على المسحور , وهذا مذهب مخالف لرأي الجمهور ومخالف لواقع السحرة , لكن هؤلاء يستدلون بقوله تعالى في حق سحرة فرعون: ( يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ) , قالوا يخيل إليه , ومعنى ذلك أنه ليست الحبال والعصي تسعى حقيقة وإنما في نظر موسى خُيل له ذلك , وهذا ليس نصا في الموضوع لأن معنى يخيل إليه أي رآها .
والكاهن والعراف هما ممن يدعي علم الغيب ويزعم أنه يعرف شيئا من ذلك , فالكاهن هو الذي يفعل أفعالًا يزعم أنه بها يطلع على الغيب , يعني شيطانه يطلعه على شيء من الغيب .
والكهانة والعرافة لها طرق , فمن الكهنة والعرافين من يستعمل الخطوط , يخط بالأرض - يسمى الطرق - ومنهم من يستعمل شيئا من الخرز أو الودع يضرب به في الأرض , ومنهم من يستعمل الحصى يضرب به الأرض بضربات محصورة أو مُعدّة كما قال لبيد:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع (9)
يعني الضوارب بالحصى التي تضرب بالحصى وبالودع وبالخرز وبغيرها وتدعي أنها بذلك تعلم الغيب , وهذا كله باطل لأن الله سبحانه وتعالى حرس السماء , بالشهب , فأصبحت الشياطين لا تدرك شيئا من أخبار الغيب وعلم الوحي , وكانت في السابق تسرق , يصعدون إلى السماء ويستمعون ما يقضى فيه من الأمر فيأتون به إذا أخذوا كلمة من الوحي زادوها مائة كذبه ووضعوها لعميلهم , فإذا أخبر بأمر فوقع قالوا: أليس قد قال كذا يوم كذا وكذا فكان ما قاله صحيحا فيكذبون على إثر هذه الكلمة الصحيحة بمائة خبر كله كذب .
وكذلك المنجم الذي يدعى علم الغيب بالنظر في النجوم , ينظر في النجوم ويرى أن الطالع الفلاني طلوعه يدل على كذا وغروبه يدل على كذا , وهو يقول ذلك على أنه عَلِمه عن طريق عميله من الشياطين .
وهذه التي تفعل الآن من الكهانة والعرافة والتنجيم وغيرها كل هذا من باب التخرص والحدس والظن , وكذلك الشعوذة التي يفعلها المشعوذون كل هذه مبنية على غير برهان ويقين .
أما قبل أن تحرس السماء فكانوا قد يحصلون عل كلمة مما يقال في السماء فيلقونها على عملائهم من الإنس ويتكلموا بها , أما بعد ذلك كما ذكر سبحانه وتعالى عن شياطين الجن أنهم قالوا: ( وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدًا ) , يقول كنا نقعد منها أي من السماء مقاعد للسمع واستماع الخبر لكن يقول من يذهب إلى السماء لاستراق السمع فإنه يجد له شهابا يرصده ويضربه ويحرقه , فانتهت هذه الطريقة التي كانوا يسرقون بها علم الغيب بحراسة الله سبحانه وتعالى للسماء بهذه الشهب التي لا تدع أحدا من هؤلاء الشياطين يصعد إلى السماء ويقترب منها .
(1) / رواه أبو داود ( 3904 ) وابن ماجه ( 639 ) بسند صحيح وانظر غاية المرام للألباني رحمه الله ص 173
(2) / رواه مسلم ( 2230 ) .
(3) / رواه البخاري ( 5766 ) ومسلم ( 2189 ) .
يقول محمد فؤاد عبدالباقي في تعليقه على الحديث من سنن ابن ماجه ( 3545 ) عند قول عائشة رضي الله عنها ( يخيل إليه ..) قال: أي يخيل إليه القدرة على الفعل ثم يظهر له عند المباشرة أنه غير قادر عليه , وليس المراد أنه يخيل إليه أنه فعل والحال انه ما فعله . وانظر فتح الباري لابن حجر 10 / 193 .
(4) / ينظر كلام عبدالرحمن المعلمي في الأنوار الكاشفة ص 251 .
(5) / أخرج الشافعي في بدائع المنن ( 1532 ) وعبدالرزاق 10 / 179- 180 وأبو داود ( 3043 ) وصححه ابن حزم 11/ 397 عن بجالة بن عبدة قال: ( كتب عمر بن الخطاب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة , قال: فقتلنا ثلاث سواحر ) , وقد ذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد في باب ما جاء في السحر انه من رواية البخاري , والأثر في صحيح البخاري ( 3156 ) لكن دون ذكر قتل الساحر فلعله في نسخة لديه .
(6) / رواه البخاري في التاريخ الكبير 2/222 والبيهقي 8/136 بسند صحيح , وقد صححه الشيخ محمد ابن عبدالوهاب في كتاب التوحيد باب ما جاء في السحر .
(7) / رواه مالك في الموطأ في كتاب العقول , باب ماجاء في الغيلة والسحر 2/871 عن محمد بن سعد بلاغا , ووصله عبدالله بن احمد في مسائل أبيه ص 427 والبيهقي 8/136 وقد صححه الشيخ محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد في باب ماجاء في السحر .
(8) / رواه الترمذي ( 1460 ) وقد أشار إلى أن وقفه على جندب هو الصحيح .
(9) / ينظر تفسير اللباب لابن عادل 16 / 294