( ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام , فمن رام علْم ما حُظِرَ عنه علمه ولم يقْنع بالتسليم فهمه , حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان , فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتصديق والتكذيب والإقرار والإنكار , موسوسا تائهًا شاكًا زائغا , لا مؤمنًا مصدقًا ولا جاحدًا مكذبًا )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: التسليم لأوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هذه قاعدة من قواعد الشريعة ، أن المؤمن يتلقى أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم يؤمن بها ويصدقها وينقاد لها , ولا يلزم أن يعلم ما قصد منها من حكمة أو مصلحة , إن ظهر له شيء من ذلك قال به وعمل به , فالإيمان بنصوص الشريعة لا يتوقف على معرفة الحكمة , لأن الله سبحانه وتعالى تارة تكون الحكمة ظاهرة في تشريعه وتارة تكون خفية , والبشر عقولهم قاصرة وإدراكهم ناقص , ولا يجوز للإنسان إن ظهر له حكمة أخذ بالنص وإلا رفضه أو أوّله إلى غير المعنى الظاهر منه , لأن حكم الله في تشريعاته نعلم منها القليل والكثير مطوي عنا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى , فالإسلام قائم على قدم التسليم - من سلم لله ولرسوله , يعني لأوامرهما سلم في دينه .
قوله: ( فمن رام ) يعني بحث أو حاول أن يصل على علم ما لم يكلف بالبحث عنه , كغوامض الحِكَم فإنه يبقى دائمًا في شك وفي حيرة , إذا كان يحكم عَقْله فما عَقَله عقْله آمن به وسلم به , وما لم يعقلْه عقْله أنكره أو رده أو أوّله فهذا دائمًا يبقى متذبذبًا شاكًا , لا هو مؤمن مع أهل الإيمان ولا هو كافر مع أهل الجحود كما قال الماتن: ( لا مؤمنا مصدقا ولا جاحدا مكذبا ) .
وليس معنى هذا أننا نقول إن تعليمات الشريعة ليست معللة , هي معللة , والله سبحانه وتعالى يأمر بحكمه والرسول صلى الله عليه وسلم يأمر ويشرع لحكمه ولكن قد تظهر هذه الحكمة وقد تخفى .
قوله: ( من رام علم ما حظر عنه ) يعني معرفة الكيفيات وكنه الحِكَم التي يريدها سبحانه وتعالى من تشريعاته , يعني من رام ذلك فإنما رومه لذلك المطلوب يجعله شاكًا , ومن شك فإنه غير موحد , إذا ورده عن الشرع أمر أو نهي التمس له حِكمة إن عرفها ووصل إليها عمل به وإلا رده , فيبقى متذبذبًا ويبقى في غير دائرة التوحيد لأن التوحيد هو التسليم لله .
فإذا ثبت لك سلِّم له وعليك الإقرار به والإيمان به والعمل به إن كان عمليًا , وليس عليك البحث الطويل والنظر لتصل إلى الحكمة , المقصود لب التشريع التصديق والإيمان والعمل , أما أن يجعل همه هو البحث عن الحكم والتعاليل ويكون مناط عمله بالنصوص العملية ومناطه في اعتقاده في النصوص الاعتقادية هو أن يصل إلى: ماذا يقصده الله بذلك الأمر , فمن كان في هذه المنزلة فقد خاب وخسر , لكن أولا يسلم إذا قال الله كذا نفعله إن كان من الأمور العملية , أو نعتقده إن كان من الأمور الاعتقادية , فإذا ظهر لنا شيء مما قصده الله بذلك التشريع فيها , وإلا وكلنا أمره إلى الله عز وجل .