فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 153

( ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة وعلى من مات منهم )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذا هو أصل مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يطيعون الإمام الشرعي - الإمام الأعظم أو نائبه - ويجاهدون معه ويؤدون الجمع والجماعات خلفه سواء كان برا أو فاجرا , ولا يردهم في ذلك كونه فاسقا أو جائرا أو ظالما , فالصلاة خلف الأئمة الفجار هي طريقة أهل السنة والجماعة رضوان الله عليهم , ولا يقتضي فسق الإمام أو جوره - لا يقتضي معصيته والخروج عليه , لكن بشرط أن يكون آمرًا بالمعروف ناهيا عن المنكر محكما لكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم أما إذا حصل منه ما يخرجه من الإسلام فإنه لا يجوز الصلاة خلفه , ولا تجوز الصلاة عليه أيضا إذا مات (1) .

والإمام الأعظم هو:

1 -من نصّبه المسلمون - انتخبوه - إماما عليهم .

2 -أو من عَهِدَ له الإمامُ السابق بالإمامة , ووافقه المسلمون على ذلك .

3 -أو من استولى على السلطة وخضعت له الأمة , ودانت له , وأصبح هو الحاكم .

فمثل هؤلاء الثلاثة هم الأئمة الذين يصلى خلفهم .

أما إذا حصل من أحدهم ما يقدح في إيمانه وإسلامه ويخرجه من الإسلام , كالردة , أو الحكم بغير ما أنزل الله , أو كإلزام المسلمين بالمعاصي , أو نهيهم عن أداء الواجبات , فإن هذا لا يصلى خلفه , كما لا يطاع في أمره ونهيه .

والصلاة خلف الفاسق - غير الإمام الأعظم - للعلماء رحمهم الله خلاف فيها , منهم من يرى أن الصلاة خلف الإمام الذي نصبه الإمام الأعظم وعينه إماما للناس أن الصلاة خلفه صحيحة ولو كان فاسقا , وهذا القول تدل عليه العمومات , كقوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الأئمة الفجار قال: ( يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤا فلكم وعليهم ) (2) , وكما جاء في بعض الأحاديث وإن كان فيه ما فيه , قال: ( صلوا خلف من قال لا إله إلا الله ) (3) , و: ( صلوا خلف كل بر وفاجر ) (4) , وكما كان السلف رضوان الله عليهم يصلون خلف الأئمة الفجار كالحجاج وغيره وهم يعلمون أنه جائز ظالم , كل هذه الأمور ترجح المذهب القائل بالصلاة خلف الإمام الفاسق مطلقا .

ومما يرجح ذلك من حيث المعنى أن الفسْق لا يبطل صلاة الإمام الفاسق إذا صلى فصلاته في نفسه ولنفسه صحيحة , ولم يقل أحد من المسلمين إن صلاته باطلة , فإذا كان كذلك فمن باب أولى أن تكون صلاة المأموم صحيحة , وهذا هو أقوى ما يؤيد به ويرجح به هذا القول .

وهناك من الطوائف كالخوارج والمعتزلة من يقول إن الفسق يبطل إمامة الفاسق ولا يصح الائتمام به , وإذا صلى إنسان خلفه وجب عليه إعادة الصلاة .

و مسألة الصلاة خلف الإمام الفاسق لها باب في الفقه - باب الإمامة - ولكن علماء العقيدة رحمهم الله جرت العادة أنهم يذكرونها في عقائدهم , لأن هناك من الفرق الضالة من يخالف في ذلك كما ذكرتُ , كالخوارج والمعتزلة فقد ذكر العلماء هذه المسألة في كتب العقائد للرد على تلك الطوائف الضالة التي ضلت في هذه لمسألة .

أما من أمّ الناس في الصلاة وهو فاسق , وهو ليس الإمام ولا نائب الإمام فهذه المسألة جرى فيها الخلاف بين الفقهاء , فالبعض أجاز الصلاة خلفه كالإمام الأعظم , والبعض أبطلوها وقالوا إن النصوص التي وردت في الحث على الائتمام بالإمام الفاسق كلها تخص الإمام الأعظم , وقالوا الصلاة باطلة , ومذهب المتأخرين من الحنابلة أن الصلاة لا تصح خلف الإمام الفاسق إذا لم يكن هو الإمام الأعظم , كما أشار إلى ذلك في زاد المستنفع في قوله: ولا تصح خلف فاسق كالكافر (5) .

وفي المسألة أقوال للعلماء وتفصيلات .

وكذلك الصلاة على من مات من الأئمة الفسّاق , ومن الفساق غير الأئمة , مذهب أهل السنة والجماعة أن الصلاة عليهم مشروعة ولا يجوز ترك الصلاة عليهم , إلا بعض الفساق كالغال وكالقاتل لنفسه , ومثل هؤلاء لا يصلي الإمام عليهم وإنما يصلي عليهم المسلمون .

وأما عامة فساق الأمة أعني غير الإمام ونائبه فهؤلاء مذهب أهل السنة والجماعة أن الصلاة عليهم جائزة , بل هم أحوج في الصلاة عليهم من غيرهم , لأن الصلاة على الميت معناها الدعاء له , ومن مات على فسق أو ظلم فإنه أولى أن يصلى عليه من التقي النقي الذي لا تكون حاجته إلى دعاء المسلمين كحاجة الفاسق الظالم الجائر من أبناء المسلمين , والرسول عليه الصلاة والسلام صلى على الغامدية رضي الله عنهما (6) , وعلى أمثالها من الذين ارتكبوا الذنوب , ولهذا قال عليه الصلاة والسلام لما قال له عمر تصلى عليها وقد زنت يا رسول الله قال: ( لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ) (7) والحاصل أن الراجح والذي يتمشى مع مذهب السلف الصلاة على كل مسلم مطلقا .

(1) / أشار الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن رحمه الله أن المؤمن قد يصلي خلف المرتدين إذا كان لهم شوكة ودولة ويعيد صلاته , وقد نقل عن عبدالله بن أحمد أن الإمام أحمد كان يعيد صلاة الجمعة وغيرها إذا صلاها خلف المرتدين , ( الدرر السنية 10 / 422 بتصرف ) .

ونقل أبو الحارث عن الإمام أحمد النهي عن الصلاة خلف المبتدع , إلا إذا خافه فيصلي ثم يعيد .

المسائل والرسائل المروية عن الإمام احمد بن حنبل في العقيدة 2 / 415 لعبدالاله الأحمدي .

(2) / رواه البخاري ( 694 ) .

(3) / رواه الدارقطني بأسانيد ضعيفة وقال: لا يثبت منها شيء .

(4) / رواه الدار قطني والبيهقي بإسناد ضعيف .

(5) / انظر حاشية الروض المربع لابن قاسم 2 / 306 - 309

(6) / رواه مسلم ( 1695 ) .

(7) / رواه مسلم ( 1696 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت