فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 153

( وأفعال العباد خلق الله )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد , أما خلق الله فهذا مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة , وهو أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد وأن كل شيء يقوم به العبد من حركة أو سكون أو حسن أو قبيح أو طاعة أو معصية كله خلق لله سبحانه وتعالى , لا خالق إلا الله تعالى .

فأهل السنة يقرون بأن الله هو الخالق لأفعال العباد ولكن العبد هو الفاعل , وفرق بين الخلق والفعل , والعبد فاعل حقيقة وله مشيئة وإرادة بفعله , ولكن فعله لا يكون بدون إرادة الله ومشيئة الله , الله عز وجل يريد فعل العبد وييسره له ويعينه عليه والعبد هو المتحرك بفعله وهو الفاعل والله الخالق ولكن ذلك تابع لمشيئته سبحانه .

هذا هو المذهب الأول وهو مذهب أهل السنة والجماعة ومن تبعهم من الطوائف الأخرى , وهذا هو الذي توافرت عليه الأدلة من الكتاب والحديث:

فمن الكتاب قوله تعالى ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) أي خلقكم وخلق أعمالكم ومعمولاتكم , و ( ما ) هنا موصولة .

وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ( ونفس ما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) فقوله: ( ألهمها ) دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو الموفق للعباد والمعين لهم على أفعالهم , فبدون إعانته لا تحصل الأفعال وقوله ( فجورها وتقواها ) إضافة الفجور إلى النفس وإضافة التقوى إلى النفس , دليل على أنها هي الفاعل لفعلها .

وهذا المذهب أدلته كثيرة في القرآن .

المذهب الثاني:

وأما من خالف أهل الحق كالمعتزلة والرافضة فإنهم أنكروا أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد , وقالوا: الله هو الخالق للعباد , لكن العباد هم من يخلق أفعالهم , ويقولون لو كان الله هو الخالق لأفعالهم للزم من ذلك وصف الله بالظلم , يخلق الكفر ثم يعاقب عليه .! يخلق المعصية ثم يعاقب عليها .! يقولون هذا ظلم , والله سبحانه وتعالى منزه عن الظلم .

ومن أدلتهم التي لبسوا بها:

قوله سبحانه تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) وجه الاستدلال من الآية أنها تضمنت بيان تعدد الخالقين , فإذا كان هناك خالقون كان هناك خالق غير الله , إذًا فالخالقون هنا الله والعباد , الله يخلق العباد والعباد يخلقون أفعالهم .

أهل السنة والجماعة أجابوا عن الشبهة الأولى التي يزعمون أنها دليل عقلي فقالوا:

إن شبهتكم هذه تلزمكم في كل شيء لو طبقت , فإننا نناظركم في هذه المسألة ونقول لكم:

أنتم تقولون إن الله لم يخلق أفعال العباد , لأنه لو خلقها وعاقبهم عليها للزم أن يكون ظالما لهم , فهل تقرون بأن الله يعلم أفعال العباد قبل أن يخلقها العباد على حسب زعمكم , أو كان جاهلا بها ؟

وهذا معنى قول الشافعي رحمه الله: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا .

فيقال هل تعتقد أيها القدري وتعترف بأن الله عز وجل علم أفعال العباد كالمعاصي والكفر قبل أن يخلقها أو جهلها ؟ ولا بد له من جواب:

إما أن يقول: علمها الله , وإما أن يقول جهلها .

فإن قال: إن الله كان جاهلا بها كفر بالإجماع , لأن المسلمين أجمعوا كلهم على أن من نسب إلى الله الجهل فهو كافر , وهذا معنى ما قاله الإمام الشافعي: فإن أنكروه - أي العلم - كفروا , يعني إن قالوا: إن الله يجهل أفعال العباد قبل أن يوجدوها كفروا .

وإن قال: بل علمها الله تعالى قبل أن يخلقوها .

قيل له: هل كان قادرًا على صرفهم عن المعاصي والكفر أو كان عاجزًا ؟

فإن قال: كان عاجزًا .

قيل له: كفرت بالإجماع , لأن المسلمين أجمعوا على أن من وصف الله بالعجز فهو كافر .

فإن قال: بل علمها وكان قادرًا على صرفهم عنها .

قيل له: إذًا إذا كان عالما بأن فلانا سيفعل الكفر وقادرًا على صرفه عن الكفر إلى الإيمان فكونه تركه يكفر ولم يصرفه إلى الإيمان مع قدرته عليه يكون ظالما له .

إذًا فهم لا يخلوا إما أن يكفروا وإما أن يَلزمهم نظير ما فروا منه .

وهناك طريقة أخرى للمناظرة وهي أن يقال:

إن معنى قول: إن الله يخلق أفعال العباد , بمعنى أنه يوفقهم ويعينهم ويهديهم وييسر لهم الفعل فهذه الهداية وهذا التوفيق وهذا التسديد الذي به يحصل الفعل هل هو ملك للعبد أو هو ملك لله ؟ ومعلوم قطعا أنه ملك لله , فإذا اقروا بأنه ملك لله لم يكن الله ظالما لهم إذا منعهم إياها , فهم كفروا بسبب منع الله سبحانه وتعالى لهدايته لهم وتوفيقه , إذًا الذي منعه عنهم هو ملكه , ومعلوم عقلا أن المالك للشيء إذا منعه عن الغير لا يسمى ظالما , ولا يعتبر ظالما , لأن المالك للشيء قد يعطيه من شاء فضلا ويمنعه من شاء عدلا , وكذلك الله سبحانه وتعالى أقدرهم عل الفعل فجعل وسائل الفعل موجودة عندهم , فجعلهم قادرين وجعلهم أصحاء وأعطاهم الاختيار وبين لهم الحق من الباطل , ولكن غاية ما هنالك أنه منعهم التوفيق , والتوفيق ملك الله سبحانه وتعالى إن شاء أعطاهم إياه وإن شاء منعهم إياه , وإذا منعهم إياه فهو ملكه والمانع لملكه لا يكون ظالما لمن منعه عنه .

هذا جوابهم عن الشبهة العقلية .

أما عن الشبهة السمعية وهي قوله سبحانه وتعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) يقال لهم:

أولا:

كيف استدللتم بالآية وأنتم من أصولكم أن النقل لا يصلح دليلا على مسائل الأصول , لأن من الأصول والقواعد عند المعتزلة أنه لا يُستدل على مسائل أصول الدين إلا بأدلة عقلية (1) , أما الأدلة السمعية فإنهم لا يرون فيها دلالة (2) , لأنها إما أن تكون ظنية الثبوت كالآحاد وإما أن تكون ظنية الدلالة كالقرآن والمتواتر من السنة .

السمع عند المعتزلة وعلماء الكلام قسمان , كما هو عند غيرهم: متواتر وآحاد , هم يقولون المتواتر والآحاد كلاهما لا يصلح دليلا على مسائل أصول الدين - أي العقائد - قالوا:

لأن الآحاد ليست قطعية الثبوت بل هي ظنية الثبوت , فإذا كانت ظنية فالظني يحتمل الثبوت ويحتمل عدمه , فلا دلالة فيه .

أما القران والمتواتر من الحديث فهو وإن كان قطعي الثبوت فإنه ظني الدلالة , دلالته محتمله , والمثال قوله سبحانه وتعالى: ( الرحمن على العرش استوى ) , يقولون دلالته على الاستقرار والعلو ظنية , لماذا ؟ لأنه يحتمل الاستواء ويحتمل الاستيلاء .

فيقال لهم: أنتم لا ترون في الأدلة النقلية حجة على مسائل الأصول فلماذا استدللتم بهذه الآية ؟

ثانيا:

يقال لهم: حتى النصوص التي استدللتم بها واعتقدتم صحتها فإن قوله سبحانه وتعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) لا دلالة فيها لكم (3) :

لأن الخلق يطلق في اللغة تارة ويراد به الإيجاد من العدم , ويطلق تارة ويراد به التصوير والاختراع , تقول خلق الله الإنسان وخلق الله الخلق أي أوجدهم من العدم , وتقول خلق الخراز النعل أي قاسه وصوره وقدره , وخلق الخياط الثوب بمعنى فصّله , يعني هيأ صورته وقوله تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) أي المقدرين المصورين , وليس الموجودين , فإنه لا موجد إلا الله , فالله سبحانه وتعالى أحسن المقدرين وأحسن المصورين , أما الإيجاد فلا يوجد موجِد إلا الله سبحانه وتعالى وهذا معروف في لغة العرب ومنه قول الشاعر في ممدوحه:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يفري (4)

تفري أي تنفّذ , يصف ممدوحه بأن لديه القدرة على تنفيذ ما يخلق أي ما يقدره ويصوره ويزينه بنفسه من فعل , والفري هنا متجوّز به عن شق الخراز الجلد , فكما أن الخراز الماهر إذ أراد أن يوجد نعلا فإنه يقدّر مقدار النعل ثم يفري الجلد أي يشقه على المقاس الذي أراده ولا يتردد في ذلك ولا يخطئ , يقول أنت أيها الممدوح تفري ما خلقت أي تنفذ ما قدرته وصورته ولا أحد يمنعك عن ذلك , وأما غيرك من الناس فهو وإن كان لديه الخلق بمعنى التقدير والتصوير والتخطيط إلا أنه يعجز عن التنفيذ فلا يفري .

فهذا دليل على أن الخلق يطلق في اللغة ويراد به غير الإيجاد وهو المراد في قوله تعالى: ( أحسن الخالقين ) .

هذا ردهم على الشبهة التي تذرعوا بها من النقل .

وسياق الآيات يدل على رد هذه الشبهة , والذي هو بمعنى التصوير , وهو قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) .

(1) / يقول عضد الدين الايجي في الموقف الأول من ( المواقف ) :

الثاني: ما يتوقف عليه النقل مثل وجود الصانع ونبوة محمد فهذا لا يثبت إلا بالعقل .

انظر التنكيل للمعلمي 2 / 325

(2) / بل يقول الغزالي في الإحياء 1/ 180:

فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع فلا يستقر له فيها قدم ولا يتعين له موقف .

(3) / ينظر ص 77

(4) / ينظر مفردات الراغب الأصفهاني مادة خلق , وأضواء البيان 6/267 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت