ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هو قضى وقدر وكل ميسر لما خلق له , وهذا العبارة التي قالها رحمه الله تتفق مع الحديث الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر القضاء والقدر قال له سراقة بن مالك: يا رسول الله: بين لنا ديننا ، كأنا خلقنا الآن ، فيم العمل اليوم ؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما يستقبل ؟ قال: ( لا ، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ) , قال: ففيم العمل ؟ فقال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) (1) .
وجاء في مسلم أيضا عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ( ما منكم من أحد , ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار , وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة ) قال: فقال رجل: يا رسول الله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل ؟ فقال: ( من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ) , ثم قال: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له , أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ) , ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى )
فعلى الإنسان في هذا الباب أن يؤمن بالقضاء والقدر وعليه أن يعمل بما أمر به ولا يوجِد بينهما تناقضا حتى لا يكون من الطائفة الإبليسية التي تدعم إبليس في إلقاء الشبه والمعارضات حين قالت: كيف يقدر علينا الأفعال ثم يعاقبنا عليها ؟ أيقدر علينا الكفر ويأمرنا باجتناب الكفر ؟ هذا تناقض , وهؤلاء يسمون الإبليسية لأن شبهتهم تماثل شبهة إبليس لعنه الله حيث قال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) فكيف يسجد من خلقه من النار القوية لمن خلقه من الطين الضعيفة , هؤلاء قالوا نعم: نصدق بأن الله قدر وقضى , ونصدق بأن الله أمرنا أن نطيعه ونهانا أن نعصيه , ولكن هذا تناقض من الخالق , كيف يقدر شيئا ويأمر بخلافه ؟
فالرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر لهم القضاء والقدر وأنه سبقت مشيئة الله وأنه ما من حركة وسكون يقع من البشر إلا الله خالقه ومقدره , كأنهم استشكلوا هذا فقالوا يا رسول الله هل الثواب والعقاب متعلق بالمشيئة والقدَر أم أنه متعلق بما نستأنفه من الأفعال ؟ فقال عليه الصلاة والسلام بل بما قضي وقدر , وعليكم أن تعملوا وكل ميسر لما خلق له , وقال: فأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة , وأهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة , يعني أنه لا يحتج الإنسان بالقضاء والقدر على ترك الأوامر , أو ينظر إلى جانب الأوامر ويهمل القضاء والقدر , عليه أن يصدق بما أخبر به ويعمل بما أمر به .
(1) / رواه البخاري ( 1362 ) ومسلم ( 2647 ) .