فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 153

( ونشهد أنه كلام رب العالمين )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذه العبارة كل المسلمين يقولونها , الجهمية المعتزلة الأشاعرة أهل السنة والجماعة كلهم يقولون نشهد أن القرآن كلام الله , لكن هل معنى كلام الله أي تكلم به سبحانه وتعالى بحرف وصوت وسمع منه , أو أنه كلام الله بمعنى أنه مخلوق من مخلوقات الله كما تقول الجهمية والمعتزلة .

الجهمية والمعتزلة يقولون القرآن كلام الله لكن يعنون بذلك أنه كلامٌ خلقه الله , كما تقول: عباد الله وكما تقول أرض الله وكما تقول بيت الله وكما تقول ناقة الله يعني أنه مخلوق خلقه الله , أي إضافة مخلوق إلى خالقة , وهم يعبرون بهذه العبارة , لكن يفسرونها بما لا يليق وبما لا يتفق مع ما يراه أهل الحق وأهل السنة والجماعة .

والأشاعرة والكلابية والماتريدية يقولون القرآن كلام الله , ويعبرون بعبارة المؤلف أنه كلام الله لكنهم يعنون بذلك أن معنى القرآن هو كلام الله , أما الحروف والأصوات فإنها مخلوقة , لكن هل كلام الله عندهم اللفظ والمعنى والحروف والأصوات , أو كلام الله بعض ذلك ؟ يقولون كلام الله بعض ذلك , المعنى القائم بذاته سبحانه وتعالى هو الكلام , أما ما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل فهو كلام جبريل , اللفظ لفظ جبريل والأصوات أصوات جبريل والحروف التي صدرت عن جبريل , ويقولون إن الله لا يتكلم بكلام يسمع , وهذا باطل لأنه يعارض كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وأما أهل الحق فإنهم يقولون القرآن كلام الله كما قال المؤلف رحمه الله , ويعنون بذلك اللفظ والمعنى والحرف والصوت , كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: ( هو كلام الله حروفه ومعانيه ليس الكلام الحروف دون المعاني ولا المعاني دون الحروف ) (1) , فليس الكلام الحروف دون المعاني كما يدعيه قوم , أو حروف وأصوات خلقت في الأزل , ولا المعاني دون الحروف كما تقوله الأشاعرة ومن وافقهم , بل الكلام كله معناه ولفظه وأصواته وحروفه كلها كلام الله .

والقرآن أبدى وأعاد في هذا المعنى كما قال عز وجل: ( فأجره حتى يسمع كلام الله ) , وكذلك قوله: ( فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) وقوله: ( وكلم الله موسى تكليما ) , وكذلك في سورة الفتح آيات تدل على هذا وهي صريحة في الدلالة كما قال عز وجل: ( يريدون أن يبدلوا كلام الله ) والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك صريحًا في مواضع كثيرة كما في حديث عبدالله بن أنيس أنه قال ( يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرْلا بهما, فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديّان ) (2) , فذكر النداء والصوت ولم يقل إنه يفهم جبريل ما في نفسه فيتكلم جبريل , وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله ) (3) .

فالقرآن والسنة كلاهما مملوءان من النصوص الصريحة الصحيحة التي لا تحتمل إلا أن القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود وأنه منزل غير مخلوق , وهذا مذهب سلف الأمة ما عدا ما ذكر من الفرق الضالة التي انحرفت عن هذا المنهج كالجهمية والمعتزلة , وهؤلاء الرد عليهم وإفحامهم واضح .

كما فعل ذلك عبد العزيز الكناني رحمه الله عندما قال للمريسي:

أنت تقول إن الله خلق كلامه . قال نعم .

قال: اجبني عن أمور ثلاثة لا رابع لها:

إذا سلمنا لك جدلًا أنه خلق كلامه , هل خلقه في ذاته الكريمة , أو خلقه في مكان غير ذاته الكريمة , أو خلقه لا في مكان , ولا هناك قسم رابع ؟

وهذه كما تعلمون طريقة من طرق الجدل والمناظرة تسمى بالسبر والتقسيم , والقسمة هنا عقلية صحيحة , فلما أفحمه وألقمه الحجر قال المريسي:

أقول: خلقه كما يخلق الأشياء .

قال: لا بد أن تجيبني بواحد من هذه الأمور الثلاثة وإلا فأنت انقطعت .

فقال: أنا أقول خلقه كما يخلق الأشياء .

فقال المأمون يا عبد العزيز: انقطع المريسي , لكن اشرح لنا كلامك هذا .

فقال يا أمير المؤمنين: لو قال خلقه في ذاته الكريمة لكفر لأن المسلمين مجمعون بأن الله سبحانه وتعالى لا يكون محل الحوادث , وأن من قال ذلك فهو كافر , ولو قال خلقه في مكان آخر لطالبناه بالفرق بين كلام الله وكلام الإنسان ونبيح الكلاب ونهيق الحمير ونحو ذلك لأن كلها أصوات خلقها الله في ذوات أخرى أو في أمكنة أخرى , فأي فرق بين كلام الله وبينها , وأي ميزة لكلام الله عليها , ولو قال: إن الله خلقه لا في مكان ولا أظنه يقوله لأن العقلاء مجمعون على أن كل مخلوق لا بد أن يكون له مكان وليس هناك مخلوق لا يكون في مكان , فانقطع المريسي بهذه الطريقة (4) .

الحاصل أن بيان حقيقة كلام الله سبحانه وتعالى للناس فيه عدة أقوال:

القول الأول: مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى الذين اتبعوهم , هؤلاء يقولون إن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود , والقرآن هو كلام الله معنى ولفظًا وحروفًا وأصواتًا , ومن أدلتهم ما سبق .

القول الثاني: قول الأشاعرة والكلابية و الماتريدية , يقولون إن كلام الله المراد به والمنسوب إليه هو عبارة عن المعنى القائم بنفسه , يقولون إذا أراد الله استفهامًا أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , وإذا أراد الله أمرًا أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , وإذا أراد الله نهيًا أفهم جبريل أنه يريد ذلك فتكلم به , ويستحيل على الله أن يتكلم بكلام يسمع , يقولون لأن الكلام يحتاج إلى أسنان ويحتاج إلى شفتين ويحتاج إلى حلق ويحتاج إلى كذا ويحتاج إلى كذا وهذه خاصة بالمخلوقين .

ولكن هذه الشبهة التي يلبسون بها على الناس أجاب علماء السلف عنها بقولهم:

إن الكلام الذي يحتاج إلى هذه الأمور هو كلام المخلوق أما كلام الخالق سبحانه وتعالى فإن كلامه لا يحتاج إلى هذه الأمور , فهو يتكلم بأي طريقة أرادها .

وأيضًا فإنه يمكن صدور الكلام بدون هذه الآلات كلها في المخلوقات , فمثلًا قوله تعالى: ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) قالتا , فهل للأرض لسان وأسنان وشفتان وحلق , وهل للسماء شيء من ذلك , وكذلك أشياء أخرى تكلمت مثل الجذع الذي تركه النبي صلى الله عليه وسلم لما فقده حن له (5) , والجذع ليس له هذه الآلات , وعلى كل فكثير من المخلوقات أخبر الله عنها ورسوله أنها تقول وتتكلم ومع هذا ليس لها هذه الآلات , فقولهم لا يجوز على الله الكلام لأنه يلزم عليه هذه الأمور قول باطل:

أولًا: لأن الله لا يقاس بخلقه وإن كان المخلوق محتاجًا إلى مثل هذا .

وثانيًا: أن هناك مخلوقات يمكن منها الكلام من غير أن تكون لها هذه الآلات .

(1) / انظر العقيدة الواسطية في باب كلام الله تعالى .

(2) / ذكره البخاري في صحيحه معلقا بعد حديث ( 77 ) ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ( 5/355 ) ورواه البخاري أيضا في خلق أفعال العباد ص 99 , ورواه في صحيحه بلفظ آخر ( 7483 ) , وفي الأدب المفرد ( 970 ) ورواه احمد في مسنده ( 16042 ) بسند حسن .

(3) / رواه البخاري ( 4800 ) وابن ماجه ( 194 ) .

(4) / ذكر الشيخ رحمه الله هذه القصة مختصرة مع شيء من الشرح , وتجد نصها في كتاب الحيدة لعبدالعزيز الكناني ص 126 تحقيق د. جميل صليبا .

(5) / رواه النسائي ( 1396 ) واحمد في مسنده ( 14142 ) وعبدالرزاق في المصنف ( 5254 ) بإسناد صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت