ــــــــــــــــــــــ
الشرح: المراء معناه الجدال الذي يقصد منه الانتصار للنفس أو الانتصار للمذهب الضال أو الباطل أو المبتدع , كل هذا لا نماري فيه ولا نجادل , والمراء لا يكون إلا باطلا .
والجدال قد يكون بحق كما قال تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) , وقد يكون باطلا إن كان من باب المراء والتعمق والتنطع والتقعر والانتصار للمذهب .
أما الجدل ففيه تفصيل , وخلاصة التفصيل إن كان الجدل المراد به التمحل والتعصب للرأي والمراء والظهور على الخصم سواء أكان حقًا أو باطلًا فهذا ممنوع شرعًا ولا يجوز , وإن كان المراد به هو المناقشة بقضية من القضايا والتّحاج فيها , كل واحد من المتعارضين في الرأي يحتج على رأيه حسب ما يرى أنه حق إذا كان غرض المتجادلين كليهما إظهار الحق وإحقاقه إذا لم يصحب الجدال سب أو شتم أو تكبر على الآخر فهذا جائز كما قال تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) كأنه يقول: جادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ولا تجادلوهم بالطرق الأخرى , فكذلك أخوك المسلم من باب أولى أن يكون جدالك معه هو طلب لإظهار الحق وإحقاقه , وبعض المتجادلين يحاول إظهار رأيه ومسلكه ومنهجه وظهوره على خصمه سواء أكان حقًا أو باطلًا وهذا لا يجوز , لأن هذا تعدٍ على الغير والتعدي ممنوع لا يجوز , يعني كونك تحاول أن تظهر على أخيك بحجتك إن كنت في خصومة أو بدليلك وتأييد قولك إن كنت مجادلًا وأنت تعلم إن ذلك ليس بحق أو تعلم أنك غير محق فهذا لا يجوز كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالخصومات: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ) (1) , يقول عليه الصلاة والسلام قد يكون أحدكما أيها المتخاصمان أفصح من الآخر وأقدر على الكلام والإقناع , فلا يغره ذلك ويظن أن فعله ذلك يحلل له ما أحكم به له فإنما أقطع له قطعة من نار فليأخذها أو ليدعها , وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ) (2) , يعني الّلسِن القادر على الظهور على خصمه ولو باطلًا .
قوله: ( ولا نجادل في القرآن ) يحتمل أنه يريد لا نجادل في القرآن أي هل هو مخلوق أو غير مخلوق , وهل هو اللفظ والمعنى أو المعنى دون اللفظ أو ما أشبه ذلك .
ويحتمل أنه بمعنى ألاّ نعارضه ونلتمس الأمور التي تكون متعارضة معه في الظاهر كما يفعله أعداء الإسلام من علمانيين وغيرهم .
ويحتمل أنه يريد ألا نجادل في القرآن أي لا نماري فيه ونلتمس الأمور التي نجعلها كمعارضة للقرآن , والملاحدة معروف أنهم يعارضون القران ويلتمسون ذلك من كل حدب وصوب , كما نقل عن أبي العلاء المعري الذي عارض قطع اليد بقوله:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض ما لنا إلا السكوت له ... وأن نعوذ بمولانا من النار (3)
وهذا من الجدال الذي نهى عنه أو نفاه المؤلف .
(1) / رواه البخاري ( 2458 ) ومسلم ( 1713 )
(2) / رواه البخاري (2457) ومسلم (2668)
(3) / قال الشنقيطي رحمه الله في أضواء البيان ( 3 / 431 ) عن شعر المعري: ... ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
وللعلماء عنه أجوبه كثيرة نظمًا ونثرًا . منها قوله القاضي عبد الوهاب مجيبًا له في بحره ورويه:
0@عز الأمانة: أغلاها ، وأرخصها
وقال بعضهم: لما خانت هانت . ومن الواضح: أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما تحملت رذيلة السرقة وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة ، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل ، الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى .