ــــــــــــــــــــــ
الشرح: السنة في اللغة معناها الطريقة , وتطلق في الشرع على اطلاقات كثيرة:
تطلق تارة ويراد بها ضد البدعة , فيقال هذا الأمر سنة وهذا الأمر بدعة .
وتطلق تارة في مقابل الكتاب , فيقال هذا الأمر ثابت في السنة وهذا الأمر ثابت في الكتاب .
وتطلق تارة في مقابل الفرض , فيقال هذا الأمر فرض وهذا الأمر سنة .
فأما السنة التي يطلقونها في مقابل البدعة فيراد بها طريقة السلف .
وأما السنة التي تطلق في مقابل القرآن فالمراد بها أقواله وأفعاله وتقريراته صلى الله عليه وسلم فأي فعل فعله فهو من السنة ما لم يثبت بيان اختصاصه بذلك كالوصال مثلا , وأي قول قاله أو أمر به فهو سنة , وأي فعل فُعل عنده وأقره فهو من السنة أيضا .
وأما السنة التي تطلق في مقابل الواجب والفرض فهي التنفل الذي يؤديه المسلم نفلا , يكون مسنونا ومطلوبا منه ومندوبا إليه لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الاستحباب .
والذي يريده المؤلف هنا في قوله: ( ونتبع السنة ) يريد بالسنة ما يقابل البدعة .
قوله: ( الجماعة ) الجماعة في اللغة هم ما زادوا على اثنين فأكثر .
و في الشرع ما اجتمع عليه المسلمون , أو جماعة المسلمين , ولا ينظر لكثرتهم أو قلتهم بل من كانوا على الحق فهم الجماعة , ولو كانوا قليلا ولو كان الذي على الحق واحدًا فهو الجماعة كما قال سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفا ًولم يك من المشركين ) علما بأن إبراهيم واحد ولكن لما كان على الحق وصف بأنه أمة , فالجماعة هم من كانوا على الحق , سواء أكانوا أكثر من غيرهم أو أقل من غيرهم .
والكثرة غالبا تكون بخلاف الصواب كما قال سبحانه وتعالى ( وإن تطع أكثر في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) فالكثرة ليست عبرة في الإتباع والأخذ بل العبرة بالإتباع والأخذ هو ما كان عليه السلف الصالح ومثله عن النبي صلى الله عليه وسلم , وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى هذا المعنى في قوله: ( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقه وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقه وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقه كلها في النار إلا واحدة ) (1) قيل من هم يا رسول الله ؟ قال: ( من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) (2) وجاء في بعض ألفاظ الحديث أنه قال: ( وهي الجماعة ) (3) .
أما قوله: ( الشذوذ والخلاف ) فهو مخالفة المسلمين والشذوذ عن طريقهم , لأن اتباع جماعة المسلمين أصل من أصول أهل السنة والجماعة - يتبعون الجماعة ويجتنبون الفرقة والخلاف والشذوذ .
قوله: ( والفرقة ) معناها ما يقتضي تفرق المسلمين أو يقتضي إيقاع خلاف بين المسلمين في أمر من الأمور , والشذوذ عن طريقة السلف رضوان الله عليهم , والتفرق مذموم شرعا ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) , ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) , وكثير في القرآن ذم الفرقة لأنها تحدث ضعفا في الأمة وانشقاقا وشرخا في قوة الأمة .
والمسلمون كانوا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم ومعظم التابعين على السنة إلى أن ظهرت رؤوس البدع التي حرفتهم عن السنة وأوجدت الفرقة والخلاف كما حصل من الذين أحدثوا مذهب القدرية في الأمة ومن الذين أحدثوا مذهب الروافض ومذهب الخوارج وغيرهم هؤلاء جاءوا بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم وإن كان بعض البدع والشبه والضلالات وجدت في عصر الصحابة كنفي القدر , بل وجذور هذه البدع كانت موجودة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم:
فشبهة القدرية ونفي القدر كانت موجودة كما في قوله سبحانه وتعالى: ( الذين قالوا لإخوانهم لو أطاعونا ما قتلوا ) هذا دليل على نفي القدر و أنهم ما أقروا بالقدر ولكن قالوا: ( لو أطاعونا ما قتلوا ) معناه أنهم ما التفتوا إلى القضاء والقدر وما نظروا إليه ولا أيقنوا بأن ذلك أمر مقدر عليهم .
وكذلك شبهة الجبرية أصلها موجود في قوله سبحانه وتعالى: ( وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ) فقولهم هذا يساوي قول الجبرية تماما , لأن معنى الآية أنهم يقولون لو شاء الله عدم إشراكنا ما أشركنا ولكنه شاء إشراكنا فأشركنا , فهم يحتجون على جواز الشرك بالقضاء والقدر كونه أمرًا مقدرًا عليهم .
وكذلك شبهة الخوارج ظهرت بذورها في عهده صلى الله عليه وسلم حينما قال ذو الخويصرة: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل , فقال عليه الصلاة والسلام: ( ويلك من يعدل إذا لم أعدل ) (4) وفي لفظ قال: ( يخرج من ضئضئ(5) هذا الرجل قوم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم عن الرمية ) (6) , يعني الخوارج , فأصول الشبهة موجودة على عهده صلى الله عليه وسلم , وظهر بعضها في عصر الصحابة ولكن ظهورها كمذاهب لها أصول ولها قوانين ولها أئمة جاء متأخرا كما ظهرت بدعة المعتزلة في أئمة المعتزلة كواصل بن عطاء وأبي هذيل العلاف وعمرو بن عبيد وغيرهم , فظهور بدعة الخوارج كان في عهد علي رضي الله عنه في أواخر عهد الصحابة حينما خرجوا عليه وقاتلوه .
وكذلك بدعة الرافضة أيضا خرجت في أواخر عهد الصحابة حينما دعا إليها اليهودي الذي جاء مدعيا الإسلام وسمى نفسه عبد الله بن سبأ , فهذا وقت ظهورها وهو الذي تبناها , علما بأنه أول من قاد الناس إلى بدعة الخوارج فإنه أول من خطط للخروج وقاد الناس حينما دعا إلى الثورة على عثمان رضي الله عنه وقاد أهل الشام وبعض المتمردين للثورة المسلحة عليه رضي الله عنه , حتى قتلوه وخلعوه من الحكم .
الحاصل أن السنة والجماعة هي الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
(1) / رواه احمد في المسند ( 8396 , 12208 ) والترمذي ( 2640 ) وقال حديث حسن صحيح , قال ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 3/345 ) : الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد .
(2) / رواه الترمذي ( 2641 ) وسنده حسن .
(3) / رواه أبو داود ( 4596 ) والدرامي 2/241 واحمد ( 16937 ) , وابن ماجه ( 3992 ) .
(4) / رواه البخاري ( 3610 ) ومسلم ( 1064 )
(5) / أي من أصله ونسله . أنظر اللسان مادة ضأضأ . وذكر لنا الشيخ حمود رحمه الله في أحد دروسه أن عمود الظهر يسمى ضئضئ .
(6) / رواه البخاري ( 3344 ) ومسلم ( 1064 )