ــــــــــــــــــــــ
الشرح: قوله: ( والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات ) هذا المذهب الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة , وهو أن الله سبحانه وتعالى يستجيب الدعوات وأن الدعاء ينفع الداعي كما قال سبحانه تعالى ( ادعوني استجب لكم ) وكما قال سبحانه وتعالى: ( أدعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) وكما دعا صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة وأمر عباده بالدعاء , وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( الدعاء مخ العبادة ) (1) وفي لفظ: ( الدعاء هو العبادة ) (2) .
والدعاء من أخلص أنواع العبادة لأن الإنسان يلجأ إلى الله ويتجه إليه سبحانه وتعالى ويضرع إليه وحده وهذا نهاية الإخلاص , ولهذا قال عليه الصلاة والسلام الدعاء: ( مخ العبادة ) أي صافيها وخالصها .
وقد خالفت بعض الطوائف كالفلاسفة وعلماء الكلام في فائدة الدعاء وقالوا: إنه لا يُشرع ولا يَنفع , واستدلوا على ذلك بقياس فاسد , قالوا:
الدليل على أن الدعاء لا ينفع أن ما يدعو به الإنسان لا يخلو من أمور:
الأول: إما أن يكون الله سبحانه وتعالى قضى حصول ذلك الأمر وقدره .
الثاني: وإما أن يكون قضى وقدر عدم حصوله .
وعلى كلا التقديرين فإنه لا ينفع .
والذي لم يلم بأصول وقواعد السبر والتقسيم قد يقول إن هذا الدليل حجة صحيحة , وذلك انه إما أن يكون الله قضاه وأما أن يكون لم يقضه , وعلى كلا التقديرين فإن الدعاء لا ينفع , لأنه إن كان الله قد قضاه وقدره فإنه سيحصل ولا محالة , وإن كان الله قدر عدم حصوله فإنه لن يحصل وإن دعا الإنسان طيلة عمره .
ولكن هذا الدليل العقلي الذي أوردوه ناقص , لأن السبر والتقسيم دليل صحيح إذ كملت شروطه , أما إذا نقصت الشروط فإنه يكون دليلا فاسدًا , ومن شروط صحة الاستدلال بالسبر والتقسيم أن يكون التقسيم حاصرًا , بمعنى أن المستدِل أتى بجميع الأقسام الممكنة في المحل .
ونحن إذا تأملنا هذا التقسيم وجدناه ناقصا , والتقسيم الصحيح - كما ذكره ابن القيم رحمه الله - أن يقال:
القسم الأول: إما أن يكون الله قدر وقضى حصول المدعو به مطلقا .
القسم الثاني: وإما أن يكون قدر عدم حصوله مطلقا .
القسم الثالث: إما أن يكون قدر حصوله بشرط الدعاء .
وهذا القسم الثالث أهمله المستدل ففسد دليله .
ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يمكن أن يكون قدر حصول الأمر المدعو به بشرط أن يدعو الداعي بحصوله .
فبطل هذا الاستدلال , وبان فساد هذا الدليل الذي سموه برهانا ودليلا عقليا .
ولكن قد يرد سؤال هنا ويقول قائل: إننا نرى أن هناك من يدعو الله فلا يستجاب له فكيف يجاب عن ذلك مع قوله: ( وقال ربكم ادعوني استجب لكم ) , وهذا معناه أن من دعا الله فإن الله يستجيب له ؟
والجواب عن هذا أن يقال: إن إجابة الله سبحانه وتعالى للدعاء شيء , وحصول المدعو به المعين شيء آخر , فليست إجابة الدعاء هي حصول الأمر المعين الذي سأل الإنسان ربه إياه , بل قد تكون الإجابة بحصول ذلك , وقد تكون بأمر آخر.
فنقول دعاؤه أجيب ولكن:
1 -إما أن يكون الله سبحانه وتعالى ادخر له في الآخرة من الثواب ما هو خير له من أن يعطيه عين ما سأل .
2 -وإما أن يكون قد صرف عنه من الشر ما هو أهم وأصلح له من أن يحصل له ذلك الأمر الذي سأل الله إياه .
فإجابة الدعاء أعم من إعطاء السائل عين ما سأل , وهذا ما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ما من عبد يدعو الله بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه به أحد ثلاثة أمور , إما أن يعطيه عين ما سأل , وإما أن يصرف عنه من الشر ما هو خير له من ذلك , وإما أن يدخر له الثواب في الآخرة ) (3) وهذا يبين هذا المعنى .
ثم يقال أيضا: الإجابة لها شروط ولها موانع , إذا كملت الشروط وانتفت الموانع فإن الإجابة حاصلة لا محالة , وإن وجد مانع يمنع من الإجابة فإن المدعو به لا يحصل , كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: ( ما من عبد يدعو الله بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم .. ) الحديث , فهذا يدل على أن من شرط إجابة الداعي أن لا يكون في دعائه إثم - أي معصية - ولا قطيعة رحم , فإن اشتمل الدعاء على ذلك فإنه لا يجاب , ولا تشمله الآية التي تدل على أن الله يستجيب الدعاء .
وكذلك القول في قوله: ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) فمن دعا بدعاء فيه اعتداء على غيره فإن الله لا يجيب دعاءه .
وكذلك الحديث الصحيح الذي ورد فيه: ( إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) إلى قوله: ( ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعت أغبر يمد يديه إلى السماء ومطعمه حرام ومأكله حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) (4) أي فكيف يستجاب له .
بقي شبهة أخرى يوردونها أو يستدلون بها على هذا المذهب الباطل وهي قولهم:
لو أن الدعاء ينفع ويجدي للزم أن يكون الداعي أثّر في الله سبحانه وتعالى حتى جعله يجيب الدعاء ويعطيه المسئول , وان الله لم يكن يريد أن يجيبك حتى دعوته وأثّر دعاؤك فيه .
ولكن أجاب أهل السنة عن ذلك وقالوا إن الداعي ليس هو الذي أثر في الله ابتداء وجعله يعطيه ما دعاه به , وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي حرك في نفس الداعي نية الدعاء والتوجه إليه وأثر فيه , ويسر له أسباب الدعاء وجعله يدعوه (5) .
إذًا فالدعاء من الله والإجابة من الله وليس العبد هو الذي أثر في الله .
(1) / رواه الترمذي ( 3371 ) بسند فيه ضعف .
(2) / رواه أبو داود ( 1479 ) والترمذي ( 2969 ) وابن ماجه ( 3828 ) بسند صحيح .
(3) / رواه احمد في المسند ( 11133 ) والبخاري في الأدب المفرد ( 710 ) والبيهقي في الشعب ( 1130 ) والترمذي ( 3573 ) بلفظ مقارب , وسنده صحيح .
(4) / رواه مسلم ( 1051 ) والترمذي ( 2989 ) وأحمد في المسند ( 8348 )
(5) / انظر منهاج السنة لابن تيمية 1 / 421 .