فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 153

( والمعراج حق , وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء , ثم إلى حيث شاء الله من العلا , وأكرمه الله بما شاء , و أوحى الله إليه ما أوحى( ما كذب الفؤاد ما رأى ) فصلى الله عليه وعلى آله وسلم في الآخرة والأولى )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: المعراج مفعال من العروج , وهو الآلة التي عرج عليها النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء , وقد وردت أحاديث كثيرة في كيفية عروجه عليه الصلاة والسلام , وقبل ذلك الإسراء , وقد اتفق المسلمون على الإيمان بالإسراء والمعراج .

أسري به من مكة إلى بيت المقدس على البراق (1) بصحبة جبريل عليه السلام .

وبعد أن وصل إلى بيت المقدس صلى بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليه ثم عرج به إلى السماء واستفتح به جبريل وفتح له من سماء إلى سماء , حتى وصل إلى سدرة المنتهى فأوحى الله إليه ما أوحى , فمن ذلك فرض عليه الصلوات الخمس في تلك الليلة , وكان أصل فرضها خمسين , وقد جاء في الصحيحين (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء: ( ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام , ففرض الله على أمتي خمسين صلاة ، فرجعت بذلك ، حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك ؟ قلت: فرض خمسين صلاة ، قال: فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعني فوضع شطرها ، فرجعت إلى موسى ، قلت: وضع شطرها ، فقال: راجع ربك ، فإن أمتك لا تطيق ، فراجعت فوضع شطرها ، فرجعت إليه ، فقال ارجع إلى ربك ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فراجعته ، فقال: هي خمس ، وهي خمسون ، لا يبدل القول لدي ، فرجعت إلى موسى ، فقال: راجع ربك ، فقلت: استحييت من ربي ، ثم انطلق بي ، حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى ، وغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك ) , ثم نزل إلى الأرض وصلى بمكة الفجر صلوات الله وسلامه عليه , هذا هو الإسراء والمعراج .

وقد حدثت فوضى في صفوف المشركين , وانتهزوها فرصة لتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم: فقالوا: إن بيننا وبين بيت المقدس شهرا , وبين السماء والأرض ما هو أبعد من ذلك , ثم يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وإلى السماء ثم رجع إلى بيت المقدس ثم إلى مكة خلال ليلة , قالوا هذا أمر لا يحتاج إلى دليل يبطله , و لكن أخبرهم عليه الصلاة والسلام بأمارات تدل على صدقه , فأخبرهم بأنه مرّ بِعيرٍ لهم وأن معهم كذا وكذا , وأن معهم جملا ندّ منهم - هرب - صفته كذا , فلما جاءت العير ازداد المؤمنون إيمانا , والكافرون ازدادوا كفرًا وعنادًا .

وهذه الحادثة التي حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم أكرمه الله بها عدة كرامات , منها أنه عرج به إليه سبحانه وتعالى , وكلّمه مشافهة وفرض عليه الصلوات مباشرة , وهذا يدل على فضل الصلوات وعظم شأنها , حيث كانت الشرائع تأتي للنبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي وهذه كلّمه الله بها مشافهة , فدل على أهمية الصلاة وعظم شأنها .

وقد اختلف الناس في الإسراء والمعراج هل كان يقظة أو منامًا وهل كان الإسراء بروح النبي صلى الله عليه وسلم وجسده أو بروحه فقط على خلاف وأصحها وأقواها أن الإسراء كان بروحه وبدنه جميعًا وأنه كان يقظة لا منامًا .

فالذين قالوا يقظة قالوا النائم يرى أنه وصل إلى بيت المقدس ووصل إلى وراء ذلك ووصل إلى السماء وغيره ولا ينكر عليه , فلما أنكرت قريش ذلك وقالوا إنه جاء بأمر لا يقبل ولا يعقل وأنا كنا نشك في صدقة والآن قطعنا بكذبه وأنه جاء بأمر لا تقبله العقول , فلو كان ادعى أنه رأى ذلك مناما لما أنكرت قريش ذلك , لأنهم لا ينكرون المنامات ولا يعارضونها , فلما أنكروه وعارضوه عرف أن الإسراء كان يقظة , وأنه بروحه وجسده كما قال سبحانه وتعالى: ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ) والعبد يطلق في اللغة على البدن والروح جميع .

وهناك رأي لبعض العلماء أن الإسراء كان بروحه وأن جسده لم يفقد كما يروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: ( ما فقد جسد رسول صلى الله عليه وسلم ولكن أسري بروحه ) (3) , ويروى هذا القول عن معاوية رضي الله عنه (4) وبعض الصحابة.

فعلى كلٍ الأقوال في مسألة الإسراء ثلاثة:

القول الأول: وهو أحقها وأرجحها وأثبتها أن الإسراء كان يقظة لا مناما , وأنه بروحه وجسده جميعًاَ .

والقول الثاني: أن الإسراء كان بروحه دون جسده .

والقول الثالث: أن الإسراء كان منامًا .

والذين قالوا أنه كان منامًا يستدلون برواية أو بلفظة وردت في رواية شريك , لما ساق المعراج وانتهى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام , قالوا: وقوله ثم استيقظت يدل على أنه كان منامًا .

فأجاب المخالفون بأن هذه اللفظة زيادة من شريك وأنه لم يقل صلى الله عليه وسلم: ثم استيقظت (5) .

أما قول عائشة رضي الله عنها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوجها إلا بعد الإسراء بوقت طويل , وهي كانت تتحدث عما كان يُتحدث به وتسمعه (6) .

وكان اختلاف أهل السنة في ذلك حسب ما ورد في النصوص (7) .

والإسراء والمعراج من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله اختصه بأمور وفضائل منها الإسراء والمعراج ومنها الحوض ومنها الشفاعة , وخصائصه صلى الله عليه وسلم كثيرة وهذا منها .

هذا حاصل ما يقال في مسألة الإسراء والمعراج على سبيل الاختصار

(1) / قال الشيخ رحمه الله مستطردا: البراق دابة فوق الحمار ودون البغل , يقع حافره عند منتهى طرفه , يعني إذا كان ينظر إلى مكان بعيد مثلًا فإن كل خطوة من خطواته تكون من مكانه إلى المكان الذي ينظر إليه , وإذا كانت أبعد كانت الخطوة أبعد , والحافر هو في الدابة كالخف في البعير .

(2) / البخاري (349 ) ومسلم ( 162 )

(3) / اثر عائشة رضي الله عنها ذكره الطبري في تفسيره عند قوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ) وفيه انقطاع .

(4) / اثر معاوية رضي الله عنه رواه ابن إسحاق في سيرته من طريق يعقوب بن عتبة بن المغيرة عن معاوية , ويعقوب هذا لم يلق معاوية , وانظر زاد المعاد 3 / 40 .

(5) / رواه البخاري ( 7517 ) وفيه أن المعراج قبل أن يوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , مع أنه ذكر في هذا المعراج فرض الصلوات الخمس , وقد قال ابن القيم في زاد المعاد 3/42: ( وقد غلّط الحفاظ شريكًا في ألفاظ من حديث الإسراء , ومسلم أورد المسند منه ثم قال: وقدم وأخر وزاد ونقص . ولم يسرد الحديث فأجاد رحمه الله ) اهـ وقد نقل ابن حجر رحمه الله كلام الخطابي وابن حزم والاشبيلي وغيرهم على رواية شريك هذه فلتراجع .

(6) / سبق الكلام قبل قليل على ضعف ما نقل عن عائشة في ذلك .

(7) / انظر كلاما للشيخ حول اختلاف أهل السنة في باب العقائد , والفرق بينه وبين خلافهم مع المبتدعة عند الكلام عن الرؤية ص 47 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت