ــــــــــــــــــــــ
الشرح: سبق أن ذكرنا أن الإيمان بالقضاء والقدر من أصول أهل السنة والجماعة , وأن الله قضى وقدر كل شيء على العباد قبل خلقهم , وبينا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك هداية التوفيق , وبينا أن الهداية تنقسم إلى هداية التوفيق وهداية الدلالة والإرشاد وأن هداية التوفيق هي التي اختص الله سبحانه وتعالى بها , أما هداية الدلالة والإرشاد فتكون من الله ومن الرسل ومن العلماء وهي هداية الطريق والسبيل لمن يريد السلوك .
وهنا قال: ( وهم يتقلبون ) أي مع تقديره وقضائه عليهم الخير والشر كله هم يتقلبون بين عدله وفضله , يعني هو سبحانه وتعالى يعامل عباده إما بالعدل وإما بالفضل فإذا وفقهم للخير وهداهم إليه ويسر لهم طرقه وفعلوه كان هذا من فضل الله سبحانه وتعالى , وإذا منع عنهم التوفيق وخذلهم فإن ذلك يكون عدلًا منه سبحانه وتعالى ولا يكون ظلمًا , وقد بينت سابقًا أن القدرية يقولون إن الله لو شاء المعاصي ثم عذب عليها يكون ظالما لهم ولا يتحقق العدل في حق الله عند المعتزلة والقدرية إلا إذا أنكروا أو نفوا عنه أن يكون قدر شيئًا من المعاصي والكفر وغيره , ولكن الذي عليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة أن الله سبحانه وتعالى حُكمه في عباده دائر بين أمرين , إما أن يعاملهم بفضله وإما أن يعاملهم بعدله , فإن وفقهم للخير فقد تفضل عليهم بذلك ، وإن منعهم ذلك التوفيق فقد عدل في حقهم لأن من ملك شيئًا ومنعه غيره لا يكون ظالمًا لهم وإنما يكون عادلا في حقه , لأن العقلاء كلهم متفقون على أن المالك للشيء إعطاؤه لغيره فضل ومنعه عن غيره عدل , فهذا معنى قوله: ( يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله ) .