ــــــــــــــــــــــ
الشرح: الشفاعة مصدر من شفع يشفع شفعا و شفاعة , وهي مشتقة من الشفع ويتحقق هذا المعنى في الشفاعة من حيث إن طلب الحاجة كان فردًا لما كان بدون شافع , فلما انضم إليه الشافع في تحصيل الحاجة التي يريدها الطالب صار شفعًا له فيكون طالب الحاجة بعد أن كان فردًا يكون شفعًا , يعني أن الإنسان الذي يريد الحصول عليه من الأمور ما دام يتشوف إليه ويتطلبه وحده فهو فرد فإذا انضم إليه في تحصيل ذلك الغرض شخص آخر يشفع له عند من يملك ذلك صار شفعًا بعد أن كان فردا , هذا أصل اشتقاق الشفاعة وتسميتها من هذا الباب .
والشفاعة نوعان:
1 -شفاعة ممنوعة .
2 -وشفاعة جائزة .
والشفاعة الممنوعة نوعان:
1 -شفاعة بدعية أو شركية .
2 -وشفاعة ليست كذلك , فإذا صارت الشفاعة في أمر من أمور الدنيا عند من يملك ذلك الأمر:
1 -فإنها تارة تكون جائزة .
2 -وتارة تكون ممنوعة .
فإن كانت شفاعة في تحصيل مباح أو في دفع أمر من الأمور المباحة كانت جائزة بل مندوبًا إليه كما قال صلى الله عليه وسلم: ( اشفعوا تؤجروا ويقض الله على لسان نبيه ما شاء ) (1) .
وإن كانت الشفاعة في تحقيق باطل أو في إسقاط حد من الحدود أو إعفاء من وجب عليه حد فإنها لا تصح ومحرمة كما دل على ذلك قصة المخزومية التي سرقت وأهم قريشا أمرُها فطلبوا من أسامة بن زيد أن يشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( أتشفع في حد من حدود الله ) ثم قال: ( والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) (2) .
فالشفاعة في الحدود محرمة لا تجوز , كما في الحديث: ( إذا بلغت به السلطان فلعن الله الشافع و المشفع ) (3) .
أما الشفاعة الشركية فهي التي تطلب من عند غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى , وهذه تكون شركية إذا فقدت شروطها , أما إذا كانت الشروط متوفرة فلا بأس أن تطلب الشفاعة عند من هو أهل لها وذلك أن يكون الله سبحانه وتعالى قد:
1 -أذن للشافع .
2 -ورضي عن المشفوع له .
فإذا كانت الشفاعة بإذن من الله وكان المشفوع له قد رضي الله عمله - أي من أهل التوحيد - فإن الشفاعة هنا جائزة وهي التي تنفع وتجزئ , لكن بهذه الشروط كما قال سبحانه وتعالى: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) , وقال: ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) .
فأما الشفاعة التي تطلب من غير الله أو في أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى كأن تطلب شفاعة من ميت ليشفع لك عند الله أو تطلب شفاعة من جماد أو إنسان أو وثن أو غير ذلك - تطلب منها أن تتوسط لك وتشفع لك عند الله فهذه الشفاعة الشركية وهذا الشرك هو الذي كانت عليه حالة المشركين قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام ويتوسطون بها إلى الله سبحانه وتعالى ويطلبون منها الشفاعة , وإلا فهم لا يعتقدون أن أصنامهم ومنحوتاتهم تخلق وترزق وتحي وتميت يعني أن هذا خاص بالله سبحانه وتعالى وإنما يطلبون منها الشفاعة ويطلبون منها الوسيلة لأجل أن تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى فمن طلبها أي الشفاعة من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مماثل لهؤلاء المشركين والقرآن فيه كثير من الآيات التي تدل على أن المشركين ما عبدوا أصنامهم والتجئوا بها وتبرّكوا بها وسألوها الوسيلة إلا لأن تتوسط لهم عند الله , وإلا فهم لا يعتقدون أنها تحي وتميت وتخلق وترزق: ( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) , ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ) , فالشفاعة المشروعة هي التي تطلب من الله بإذن منه وتطلب لمن رضي الله عنه: ( وكم من ملك في السموات ولا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) .
والشفاعة تكون من الأنبياء وتكون من الأولياء وتكون من الصالحين , ولكن بهذين الشرطين , فالرسول عليه الصلاة والسلام أعطاه الله الشفاعة بل أعطاه شفاعات كثيرة , يشفع صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف أن يقضي بينهم , ويشفع صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في فتح باب الجنة لأهل الجنة وكذا شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب وقد سئل صلى الله عليه وسلم هل أغنت شفاعتك عن عمك شيئًا قال: ( نعم , وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح ) (4) .
والشفاعة أنواع أيضا , من أنواعها: الشفاعة في أهل الكبائر لأجل أن يخرجوا من النار فإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يشفعون لأهل الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام: ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) (5) يشفعون لهم في أن يتفضل الله عليهم ويخرجهم من النار قبل أن يستوفوا ما استحقوه من التقريع والعذاب في النار .
وكما في حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعا قال: ( فيقول الله تعالى: شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين , فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ) الحديث (6) .
وأهل الكبائر الشفاعة فيهم حق عند أهل السنة والجماعة فإن مذهب أهل السنة والجماعة أن أهل الكبائر يشفع فيهم الأنبياء والرسل فيخرجهم الله من النار بشفاعة هؤلاء .
وأوّلت الخوارج والمعتزلة الشفاعة وقالوا: من مات مصرا على الكبيرة ودخل النار فإنه لا يخرج منها أبدًا واستدلوا بقوله تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) , وهذا الاستدلال باطل لأن المعنيين في الآية هم الكفار , والكفار لا ينفع فيهم شفاعة ولا غيرها , أما الموحدون الذين ماتوا وهم مصرون على الكبائر فهم أهلٌ لفضل الله وعفوه , وأهل لشفاعة الشافعين , هذا ملخص ما يقال في الشفاعة .
(1) / رواه البخاري ( 1432 ) وأبو داود ( 5132 ) والنسائي ( 2557 ) .
(2) / رواه البخاري ( 3475 ) ورواه مسلم ( 1688 ) وغيرهما .
(3) / رواه مالك في الموطأ 3/ 49 عن الزبير رضي الله عنه .
(4) / رواه البخاري ( 3883 ) ومسلم ( 209 ) .
(5) / رواه أبو داود ( 4739 ) والترمذي ( 2435 ) وقال حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وفي الباب عن جابر .
(6) / قطعة من حديث طويل رواه مسلم ( 183 ) واحمد في المسند ( 11898) .