فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 153

( ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذا فيما يتعلق بمسألة الأسماء والأحكام .

قوله: ( أهل القبلة ) من دان بدين النبي صلى الله عليه وسلم وصلى إلى القبلة , ثم من دخل في الإسلام فهو من أهل القبلة , كما جاء في الأثر: ( من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا ) (1) .

ومسألة من هو المسلم الكلام فيها طويل , الآن المسلمون في العالم يقولون إن تعدادهم مليار , إذًا المسلمون ألف مليون مسلم , لكن المسلم ليس هو من يدعي الإسلام فقط , وليس هو من في حفيظته أو جوازه مسلم , بل المسلم هو من أدى أركان الإسلام وأركان الإسلام هي الشهادتان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام .

هذه الأركان الخمسة هي علامة المسلم , من أتى بها فهو المسلم كما في حديث جبريل الطويل لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخبرني عن الإسلام , ما معنى الإسلام , أخبرني عن الأمر الذي إذا فعله الإنسان صار مسلمًا , فقال عليه الصلاة والسلام: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ) (2) هذا هو المسلم , إذا لم يفعل مع هذه شيئًا ينقض إسلامه , ولا نقول من أتى بهذه كلها فهو مسلم دائمًا , فقد يكون يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ولكنه كافرًا , بمعنى أنه قد يفعل شيئا من المكفرات , وإذا فعل شيئا من المكفرات كفر , ولو كان يأتي بأركان الإسلام .

لأن هذه الأركان ثبوتها للإنسان له ضوابط وله شروط , والنبي صلى الله عليه وسلم علق عصمة دم المرء المسلم بأركان الإسلام (3) , كما قال عليه الصلاة والسلام في إحدى روايات الحديث قال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ) (4) ولم يقل: أمرت أن أقاتل الناس حتى يكتبوا في حفائظهم أو هوياتهم ( مسلم ) .

وإن كان سواد المسلمين كثيرًا إلا أنهم قليل , لأن هناك من يصلي ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت ولكنه يحكم بالقانون - يحكّم الطاغوت - يجعل الدستور الذي يسير عليه في حكمه هو القوانين وهذا كافر .

فمن حكم القوانين الوضعية وظن أنها تقوم مقام حكم الله ورسوله فهو كافر حتى لو صلى وصام وشهد أن لا إله إلا الله , وهذا البلاء والعياذ بالله عام في حكام المسلمين , كل حكام المسلمين يحكمون بالقانون , لكن منهم من يطبق القانون في كل شيء ما عدا مسائل تعد على الأصابع مثل الأحوال الشخصية كالنكاح وغيره , بل حتى الطلاق يطبقونه على القانون , ومنهم من يحكم الشريعة الإسلامية في بعض مجالات الحياة ويحكم القانون في الكثير , تجد الحاكم مسلمًا يصلي ويصوم ولكنه يضع للعمال محكمة قانونية يتحاكمون إليها ويضع لفضّ النزاع والمخاصمات التجارية محكمة يتقاضون إليها , ويمنع قضايا من أن تحال إلى المحاكم الشرعية , فيمنع أن تحيل قضية من قضايا البنوك أو من قضايا المصارف أو من قضايا العمال أو غير ذلك - يصدر قوانين بمنعها من إحالتها إلى المحاكم الشرعية , لكنه يدع الأمر إذا اعتدى إنسان على إنسان بضرب أو بمال أو بنحو ذلك , وما يمانع أن يحال إلى المحاكم الشرعية .

الحاصل أن من حكام المسلمين من يحكمون القوانين مطلقًا ومنهم من يحكم القوانين في معظم أموره ويحكم المحاكم الشرعية في بعض المسائل التي تقع بين الناس , والمكفرات كثيرة .

وقوله: ( مسلمين مؤمنين ) هذا على أصل المؤلف رحمه الله , فإنه من مرجئة الفقهاء لا فرق عندهم بين الإسلام والإيمان , لأن الإيمان التصديق فلا يجعلون العمل داخلًا في مسمى الإيمان , ولهذا المسلم مؤمن كامل الإيمان ولو كان مقصرًا عاصيًا , ولا يختلف الناس عندهم في الإيمان , إنما الاختلاف في التقى والفضل ,كما سيأتي قول الماتن ( وأهله في أصله سواء ) (5) أي في الإيمان , فأصل الإيمان عند الناس سواء كلهم واحد .

والراجح في مذهب أبي حنيفة في مسمى الإيمان أنه التصديق فقط , وهو شيء واحد وجزء لا يتجزأ , لكن لما كان التصديق لا يعرف إلا بالنطق باللسان قالوا: النطق باللسان ركن وليس جزء من الإيمان (6) , لأنه لا يُعرف هل هو مصدق بالله أو ليس بمصدق , أما العمل عندهم فإنه أطلق على الإيمان مجازا .

وهم بهذا لا يُخرَجون عن أهل السنة , لأنهم يرون وجوب العمل , فيرون وجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج , ويرون أنها يعاقب عليها تاركها في الدنيا والآخرة لكنهم لا يسمونه إيمانا فلا يسمى تاركها كافرا بل مؤمنا .

أما تارك الصلاة عند الإمام حنيفة رحمه الله لو تركها عمدًا بدون عذر فإنه لا يقتل بل يحبس حتى يتوب ويصلي أو يموت , هذه عقوبته , أما الأئمة الثلاثة فغير خافٍ أنهم يوجبون قتل تارك الصلاة سواء أكان قتله حدًا كما يراه الإمام مالك والشافعي أو ردة وكفرًا كما هو مذهب أحمد رحمه الله وكثير من السلف .

الحاصل أن جمهور أهل السنة والجماعة لا يسمون المسلم مؤمنًا دائمًا بل قد يكون مسلمًا كامل الإيمان وقد يكون مسلمًا ناقص الإيمان .

والإسلام له تعريف في اللغة وله تعريف في الشرع .

فتعريفه في اللغة: الذل والخضوع .

وتعريفه شرعا: فهو مع الذل والخضوع - امتثال الأوامر واجتناب النواهي , كما قال عليه الصلاة والسلام: ( ما منكم إلا وله قرين من الجن وقرين من الملائكة ) , قالوا: وإياك يا رسول الله ؟ قال: ( وإياي , إلا أن الله أعانني عليه فأسلم ) (7) .

لأجل الفرق بين المعنى اللغوي للإسلام والمعنى الشرعي للإسلام اختلف شرّاح الحديث في معنى ( أسلم ) , فمنهم من قال: أي استسلم لي وخضع وذل , ومنهم من فسره بالإسلام الشرعي أي فدخل في الإسلام , قالوا: ويؤيد هذا قوله: ( فلا يأمرني إلا بخير ) وأظن فيه رواية بالضم ( فأسلمُ ) ذكرها - أظن - عياض في شرح صحيح مسلم , وإلا فمعظم الروايات ( فأسلمَ ) أي فاستسلم وذل وخضع , ولكن: ( فأسلمُ ) هذه تبين أنه يسلم من قرينه لا أن قرينه دخل في الإسلام .

ويبين لك الفرق بين الإسلام والإيمان قوله سبحانه وتعالى: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) فبين أن الإسلام اللغوي غير الإيمان: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ) أنتم لم تؤمنوا بعد ولكن قولوا: استسلمنا وخضعنا وذللنا وأنقدْنا فقط .

ويأتي الكلام على الإيمان في موضوعه إن شاء الله في بيان حقيقة الإيمان والفرق بين اللغوي والشرعي واختلاف العلماء في حقيقته ومذاهبهم .

قوله: ( ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم معترفين ) , الاعتراف غير التصديق , الاعتراف يعنى انه يعرف ذلك ويعترف و يقر به , فإن الإنسان قد يعرف الشيء وينكره يجحده , والتصديق: إذا كان مصدقًا بالشيء فهو عارف به .

وقوله: ( وله بكل ما قال وأخبر مصدقين ) هم معترفون بصدق النبي صلى الله عليه وسلم معترفون بأن ما قاله حق , ويصدقونه في أخباره وأحكامه , وقد يكون معنى معترفين و مصدقين متقارب .

ولو قال: عارفين لكانت هي التي يفسر الجهم بن صفوان وأتباعه الإيمان بها , يقول: الإيمان هو المعرفة فقط , إذا عرف الإنسان ربه فهو مؤمن كامل الإيمان حتى لو كفر بالله وحتى لو أنكر الشرع وأنكر كل شيء , ما دام عارفا فهو مؤمن إيمانًا تاما .

(1) / رواه البخاري ( 391 ) والنسائي ( 4997 ) .

قال ابن سحمان رحمه الله معلقا على هذا الحديث: هذا فرضه ومحله في أهل الأهواء من هذه الأمة ومن لا تخرجه بدعته من الإسلام . الدرر السنية 10 / 431

(2) / رواه البخاري ( 50 ) ومسلم ( 9 ) .

(3) / سيأتي ص 156 الكلام على حل دم المسلم إذا أوجب الشرع ذلك , كما في حديث: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .. ) الحديث .

(4) / رواه البخاري ( 25 ) ومسلم ( 22 ) .

(5) / انظر ص 140 .

(6) / يأتي مزيد بيان إن شاء الله ص 140 .

(7) / رواه مسلم ( 2814 ) وأحمد في مسنده ( 3648 ) وغيرهما .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت