ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هذا شروع من المؤلف في بيان إثبات صفات الفعل لله سبحانه وتعالى , وكذلك شروع منه في الرد على الأشاعرة والكلابية والماتريدية وغيرهم الذين فرقوا بين صفات الفعل وصفات الذات , فأقروا بصفات الذات ونفوا صفات الفعل , لأن الغضب والرضى صفتان فعليتان للباري سبحانه وتعالى .
والعلماء قسموا الصفات إلى قسمين:
1 -صفات ذات
2 -وصفات فعل .
فالسلف الصالح أقروا بصفات الذات وصفات الفعل .
وبعضهم قسمها إلى ثلاثة أقسام اصطلاحا , فقالوا:
1 -صفات الذات .
2 -وصفات الفعل .
3 -والصفات الخبرية .
قالوا:
الصفات الذاتية: هي الصفات التي تكون لازمة لذات الباري تعالى , كالعلم والحياة والقدرة والإرادة ونحوها .
والصفات الفعلية: هي الصفات التي تقوم بالباري إذ شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها , وتسمى الصفات الفعلية , وتسمى الصفات الاختيارية كالغضب والرضى و النزول والاستواء والمجيء وغير ذلك .
الصفات الخبرية: اصطلحوا على تسمية هذه الصفات بالخبرية , قالوا لأن مجال ثبوتها الخبر , وهي اليد والقدم والإصبع والعين والساق وغير ذلك .
فالسلف رضوان الله عليهم يثبتون لله جميع الصفات إذا ثبتت في الكتاب والسنة , ولا يفرقون بين كونها صفات ذاتية أوصفات فعليه أو صفات خبرية .
والناس في مسألة الصفات والأسماء على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: مذهب الغلاة في التنزيه , وهم الجهمية والمعتزلة , هؤلاء ينفون عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات ولا يثبتون له شيئا من الصفات التي يوصف بها الإنسان مطلقا , بل جميعها ينفونها , ويعطلونه منها , وكل ما ورد من القرآن أو من الحديث أوّلوه , إما أن يردوه إن كان آحادًا ويكذبوه , وإما أن يؤولوا مدلوله إذا كان متواترا , فينفون عن الله جميع الصفات الفعلية والخبرية والذاتية ولا يثبتون له شيئا , اللهم إلا المعتزلة يثبتون له الأسماء ولكن مجردة عن المعاني , فيثبتون لله العليم القدير ولكن مجردة عن العلم والقدرة وغيرها .
المذهب الثاني: مذهب معظم علماء الكلام الأشاعرة والكلابية والماتريدية , فهؤلاء:
يثبتون لله صفات الذات .
وينكرون الصفات الفعلية والصفات الخبرية ولا يقرون بشيء منها .
وإذا قيل لهم لماذا فرقتم فأثبتم صفات الذات ونفيتم الصفات الفعلية والخبرية ؟
قالوا إن صفات الذات يثبتها العقل , أما الصفات الأخرى فإن العقل لا يثبتها , فما أثبته العقل أثبتناه وما لم يثبته العقل نفيناه .
فإذا قيل لهم ما هي الطريقة التي أثبت العقل بها هذه الصفات ؟
قالوا: العلم يدل على التخصيص , لذا أثبتنا الحكمة لله سبحانه وتعالى .
قالوا: والإرادة تستلزم التخصيص .
يعني الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يكون كذا على كذا وكذا فقد كان في فعله هذا تخصيصا دل على الإرادة فأثبتناها , فلما وجدنا في فعله تعالى تفريقا و وتخصيصا بين شيء وشيء عرفنا أنه ما فعل ذلك إلا بإرادة فأثبتنا له الإرادة .
واستمروا في هذه الطريقة , لأنهم يأخذون من الاسم أمرًا يدل على الصفة القائمة بذلك الاسم , أو متصلة بذلك الاسم .
فالإحكام والإتقان في أفعاله سبحانه وتعالى يجعلونه دليلا على صفة العلم .
وكذلك - كما قلت - التخصيص والتنويع دليل على إثبات الإرادة .
والمشيئة والخلق والإيجاد دليلا على صفة القدرة .
وقالوا: العالم القادر المريد لابد وأن يكون حيًا , لأن المتصف بهذه الصفات لا يخلوا من الحياة أو ضدها , إذًا فالله سبحانه وتعالى موصوف بالحياة .
قالوا والحي لا يخلوا إما أن يكون سميعا بصيرًا متكلما , وإما أن يكون أصم أبكم أعمى وأحسن الأوصاف وأعلاها سميعا بصيرًا متكلما .
قالوا فالعقل أثبت الصفات السبع من هذه الطريقة .
قالوا أما ما عداها فإننا لا نجد العقل يدل عليها فلا نثبتها .
وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة كتابة ومشافهة ومناظرة وأفحمهم إفحاما , وقال لهم:
أما قولكم إن العقل لا يثبت ما عدا الصفات السبع وانتم لا تثبتونها (1) , يجاب عن هذا بجوابين:
الجواب الأول: لا يسلم لكم أن العقل لا يثبتها , بل يقال:
كما أن العقل أثبت الصفات السبع التي أثبتموها فهو يثبت الصفات الأخرى بالطريقة التي أثبتم بها الصفات السبع:
فكما أنكم تقولون إن التخصيص دل على الإرادة عقلا فنقول نحن الانتقام منه سبحانه وتعالى يدل على الغضب عقلا والإحسان يدل على الرحمة عقلا , فنثبت ما نفيتم عقلًا بالطريقة التي أثبتم بها ما قبل ذلك .
ثم قال رحمه الله:
هناك دليل آخر:
وهو أننا نسلم لكم أن العقل لا يثبت صفات الفعل , ولكنه لا ينفيها , وكونه لا ينفيها أو لا يدل عليها لا يلزم منه ارتفاعها , أو عدم وجودها , فإذا كان هناك مدلول مختلف فيه ثم انتفى دليل معين على القيام بالدلالة على هذا المدلول فلا نقول يلزم من ذلك انتفاء المدلول , لأنه يمكن أن يكون هذا المدلول ثابتا في نفس الأمر بدليل أخر , هاتوا لنا دليلا عقليا ينفيها , وليس لديهم دليل عقلي ينفيها , بل مجرد استدلالهم لا يكفي دليلا لنفيها وعدم وجودها , فقد تكون ثابتة في نفس الأمر بدليل أخر كما هو واقع , فإن الصفات التي انتفى دليل العقل عن الدلالة عليها ثابتة بالدليل السمعي القرآن والسنة وغير ذلك .
فالشيخ رحمه الله أفحمهم بهذه المسألة عن طريق هذه المناظرة وقد قال لهم باختصار:
إذا كنتم تثبتون سبع صفات وتقولون دل عليها العقل وتنفون الباقي لأن العقل لم يدل عليها فنجيب عن ذلك بهذين الأمرين:
إما أن نسلم لكم أن العقل لم يدل عليها ونثبتها بدليل أخر .
وإما أن نثبت لكم أن العقل دل عليها بالطريقة التي سلكتموها أنتم في إثبات الصفات السبع .
فالشيخ رحمه الله ناقشهم في مسألة الغضب والرضى واحتجاجهم بعدم صحة إثبات صفات الفعل وزعمهم أن إثباتها يقتضي التشبيه , وقد مثلوا لذلك بقولهم:
إن الغضب غليان دم القلب , والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك , فرد عليهم الشيخ رحمه الله وناقشهم فقال:
الغضب الذي فسرتموه بغليان دم القلب هو غضب الإنسان , أما غضب الله سبحانه وتعالى فليس كذلك , وأبطل عليهم هذه الشبهة من مذهبهم فقال:
أنتم تثبتون لله الإرادة , والإرادة هي ميل القلب إلى المراد , فأنتم أثبتم الإرادة وهي تقتضي التشبيه !
فقالوا: لا . الإرادة التي أثبتناها ليست هي التي بمعنى ميل القلب , إذ الإرادة التي بمعنى ميل القلب هي إرادة المخلوق أما الإرادة التي نثبتها فهي إرادة تليق بجلاله وعظمته ولا تماثل إرادة المخلوقين .
فقال رضي الله عنه: نحن نقول أيضًا إن الغضب الذي يفسر بغليان القلب هو غضب الإنسان أما غضب الله سبحانه وتعالى فهي صفة تليق بجلاله وعظمته , فقولوا في الغضب والرضى كما قلتم في الإرادة .
المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة , وسبق الكلام عليه في عدة مواضع من الكتاب .
أما المفوضة فليسوا فرقة رابعة في أهل الإثبات والنفي للصفات لأنهم يقولون: الله أعلم بمعناها , فيفوضون معناها , ومنهم من يقول أنه لا معنى لها إطلاقًا , وهم مع ذلك لا يعقلون , وإنما يقولون يقتصر فيها على اللفظ والقراءة .
و ابن تيمية رحمه الله في التدمرية أطال في بيان تناقضهم كما في القاعدة الخامسة فليراجع .
ثم إنه لا يقال: هل للمفوضة تأويل سائغ أو غير سائغ , لأنهم أصلا لم يؤولوا الصفات , بل سكتوا عنها , وهم مع ذلك ضلال , لكن لا يقال بكفرهم .
(1) / الضمير عائد إلى غير الصفات السبع .