فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 153

( والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: هذا شروع من المؤلف في بيان إثبات صفات الفعل لله سبحانه وتعالى , وكذلك شروع منه في الرد على الأشاعرة والكلابية والماتريدية وغيرهم الذين فرقوا بين صفات الفعل وصفات الذات , فأقروا بصفات الذات ونفوا صفات الفعل , لأن الغضب والرضى صفتان فعليتان للباري سبحانه وتعالى .

والعلماء قسموا الصفات إلى قسمين:

1 -صفات ذات

2 -وصفات فعل .

فالسلف الصالح أقروا بصفات الذات وصفات الفعل .

وبعضهم قسمها إلى ثلاثة أقسام اصطلاحا , فقالوا:

1 -صفات الذات .

2 -وصفات الفعل .

3 -والصفات الخبرية .

قالوا:

الصفات الذاتية: هي الصفات التي تكون لازمة لذات الباري تعالى , كالعلم والحياة والقدرة والإرادة ونحوها .

والصفات الفعلية: هي الصفات التي تقوم بالباري إذ شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها , وتسمى الصفات الفعلية , وتسمى الصفات الاختيارية كالغضب والرضى و النزول والاستواء والمجيء وغير ذلك .

الصفات الخبرية: اصطلحوا على تسمية هذه الصفات بالخبرية , قالوا لأن مجال ثبوتها الخبر , وهي اليد والقدم والإصبع والعين والساق وغير ذلك .

فالسلف رضوان الله عليهم يثبتون لله جميع الصفات إذا ثبتت في الكتاب والسنة , ولا يفرقون بين كونها صفات ذاتية أوصفات فعليه أو صفات خبرية .

والناس في مسألة الصفات والأسماء على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: مذهب الغلاة في التنزيه , وهم الجهمية والمعتزلة , هؤلاء ينفون عن الله سبحانه وتعالى جميع الصفات ولا يثبتون له شيئا من الصفات التي يوصف بها الإنسان مطلقا , بل جميعها ينفونها , ويعطلونه منها , وكل ما ورد من القرآن أو من الحديث أوّلوه , إما أن يردوه إن كان آحادًا ويكذبوه , وإما أن يؤولوا مدلوله إذا كان متواترا , فينفون عن الله جميع الصفات الفعلية والخبرية والذاتية ولا يثبتون له شيئا , اللهم إلا المعتزلة يثبتون له الأسماء ولكن مجردة عن المعاني , فيثبتون لله العليم القدير ولكن مجردة عن العلم والقدرة وغيرها .

المذهب الثاني: مذهب معظم علماء الكلام الأشاعرة والكلابية والماتريدية , فهؤلاء:

يثبتون لله صفات الذات .

وينكرون الصفات الفعلية والصفات الخبرية ولا يقرون بشيء منها .

وإذا قيل لهم لماذا فرقتم فأثبتم صفات الذات ونفيتم الصفات الفعلية والخبرية ؟

قالوا إن صفات الذات يثبتها العقل , أما الصفات الأخرى فإن العقل لا يثبتها , فما أثبته العقل أثبتناه وما لم يثبته العقل نفيناه .

فإذا قيل لهم ما هي الطريقة التي أثبت العقل بها هذه الصفات ؟

قالوا: العلم يدل على التخصيص , لذا أثبتنا الحكمة لله سبحانه وتعالى .

قالوا: والإرادة تستلزم التخصيص .

يعني الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يكون كذا على كذا وكذا فقد كان في فعله هذا تخصيصا دل على الإرادة فأثبتناها , فلما وجدنا في فعله تعالى تفريقا و وتخصيصا بين شيء وشيء عرفنا أنه ما فعل ذلك إلا بإرادة فأثبتنا له الإرادة .

واستمروا في هذه الطريقة , لأنهم يأخذون من الاسم أمرًا يدل على الصفة القائمة بذلك الاسم , أو متصلة بذلك الاسم .

فالإحكام والإتقان في أفعاله سبحانه وتعالى يجعلونه دليلا على صفة العلم .

وكذلك - كما قلت - التخصيص والتنويع دليل على إثبات الإرادة .

والمشيئة والخلق والإيجاد دليلا على صفة القدرة .

وقالوا: العالم القادر المريد لابد وأن يكون حيًا , لأن المتصف بهذه الصفات لا يخلوا من الحياة أو ضدها , إذًا فالله سبحانه وتعالى موصوف بالحياة .

قالوا والحي لا يخلوا إما أن يكون سميعا بصيرًا متكلما , وإما أن يكون أصم أبكم أعمى وأحسن الأوصاف وأعلاها سميعا بصيرًا متكلما .

قالوا فالعقل أثبت الصفات السبع من هذه الطريقة .

قالوا أما ما عداها فإننا لا نجد العقل يدل عليها فلا نثبتها .

وقد ناقشهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة كتابة ومشافهة ومناظرة وأفحمهم إفحاما , وقال لهم:

أما قولكم إن العقل لا يثبت ما عدا الصفات السبع وانتم لا تثبتونها (1) , يجاب عن هذا بجوابين:

الجواب الأول: لا يسلم لكم أن العقل لا يثبتها , بل يقال:

كما أن العقل أثبت الصفات السبع التي أثبتموها فهو يثبت الصفات الأخرى بالطريقة التي أثبتم بها الصفات السبع:

فكما أنكم تقولون إن التخصيص دل على الإرادة عقلا فنقول نحن الانتقام منه سبحانه وتعالى يدل على الغضب عقلا والإحسان يدل على الرحمة عقلا , فنثبت ما نفيتم عقلًا بالطريقة التي أثبتم بها ما قبل ذلك .

ثم قال رحمه الله:

هناك دليل آخر:

وهو أننا نسلم لكم أن العقل لا يثبت صفات الفعل , ولكنه لا ينفيها , وكونه لا ينفيها أو لا يدل عليها لا يلزم منه ارتفاعها , أو عدم وجودها , فإذا كان هناك مدلول مختلف فيه ثم انتفى دليل معين على القيام بالدلالة على هذا المدلول فلا نقول يلزم من ذلك انتفاء المدلول , لأنه يمكن أن يكون هذا المدلول ثابتا في نفس الأمر بدليل أخر , هاتوا لنا دليلا عقليا ينفيها , وليس لديهم دليل عقلي ينفيها , بل مجرد استدلالهم لا يكفي دليلا لنفيها وعدم وجودها , فقد تكون ثابتة في نفس الأمر بدليل أخر كما هو واقع , فإن الصفات التي انتفى دليل العقل عن الدلالة عليها ثابتة بالدليل السمعي القرآن والسنة وغير ذلك .

فالشيخ رحمه الله أفحمهم بهذه المسألة عن طريق هذه المناظرة وقد قال لهم باختصار:

إذا كنتم تثبتون سبع صفات وتقولون دل عليها العقل وتنفون الباقي لأن العقل لم يدل عليها فنجيب عن ذلك بهذين الأمرين:

إما أن نسلم لكم أن العقل لم يدل عليها ونثبتها بدليل أخر .

وإما أن نثبت لكم أن العقل دل عليها بالطريقة التي سلكتموها أنتم في إثبات الصفات السبع .

فالشيخ رحمه الله ناقشهم في مسألة الغضب والرضى واحتجاجهم بعدم صحة إثبات صفات الفعل وزعمهم أن إثباتها يقتضي التشبيه , وقد مثلوا لذلك بقولهم:

إن الغضب غليان دم القلب , والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك , فرد عليهم الشيخ رحمه الله وناقشهم فقال:

الغضب الذي فسرتموه بغليان دم القلب هو غضب الإنسان , أما غضب الله سبحانه وتعالى فليس كذلك , وأبطل عليهم هذه الشبهة من مذهبهم فقال:

أنتم تثبتون لله الإرادة , والإرادة هي ميل القلب إلى المراد , فأنتم أثبتم الإرادة وهي تقتضي التشبيه !

فقالوا: لا . الإرادة التي أثبتناها ليست هي التي بمعنى ميل القلب , إذ الإرادة التي بمعنى ميل القلب هي إرادة المخلوق أما الإرادة التي نثبتها فهي إرادة تليق بجلاله وعظمته ولا تماثل إرادة المخلوقين .

فقال رضي الله عنه: نحن نقول أيضًا إن الغضب الذي يفسر بغليان القلب هو غضب الإنسان أما غضب الله سبحانه وتعالى فهي صفة تليق بجلاله وعظمته , فقولوا في الغضب والرضى كما قلتم في الإرادة .

المذهب الثالث: أهل السنة والجماعة , وسبق الكلام عليه في عدة مواضع من الكتاب .

أما المفوضة فليسوا فرقة رابعة في أهل الإثبات والنفي للصفات لأنهم يقولون: الله أعلم بمعناها , فيفوضون معناها , ومنهم من يقول أنه لا معنى لها إطلاقًا , وهم مع ذلك لا يعقلون , وإنما يقولون يقتصر فيها على اللفظ والقراءة .

و ابن تيمية رحمه الله في التدمرية أطال في بيان تناقضهم كما في القاعدة الخامسة فليراجع .

ثم إنه لا يقال: هل للمفوضة تأويل سائغ أو غير سائغ , لأنهم أصلا لم يؤولوا الصفات , بل سكتوا عنها , وهم مع ذلك ضلال , لكن لا يقال بكفرهم .

(1) / الضمير عائد إلى غير الصفات السبع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت