فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 153

( قد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار )

ــــــــــــــــــــــ

الشرح: أي أنه سبحانه وتعالى علم ذلك في الأزل فلم يحدث له علم بذلك إنما علمه سبحانه وتعالى علمًا مسبقًا , وهكذا كل شيء يحدث فإن الله سبحانه وتعالى كان عالمًا به قبل حدوثه وفي الأزل أيضًا , وكلامه هذا متمش مع مذهب السلف رحمهم الله , وهو أن الله سبحانه قبل أن يقدر الأشياء علمها أولًا , ثم قدّرها ثم كتبها على وفق ما علم وقدر , وقول المصنف هذا فيه رد على غلاة المعتزلة ومن وافقهم على مذهبهم الذين يقولون: إن الله لا يعلم آثار العباد حتى يخلقوها و يوجدوها , فهم ينفون العلم وينفون التقدير وينفون خلق الله لأفعال العباد , وهذا كله على خلاف ما عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم .

وهذه المسألة - القضاء والقدر - من المسائل الكبار التي ضل فيها فئام من الناس انقسموا فيها إلى ثلاثة أقسام , ومن المعلوم أن المراد بالقضاء والقدر والمشيئة معنى متقارب , فتقول قضى الله كذا , وشاء كذا , وقدر كذا , وأراد كذا بمعنى واحد إذا كانت الإرادة المراد بها الإرادة الكونية .

وقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه المسألة وقسم القضاء والقدر إلى مراتب (1) , فجعل:

المرتبة الأولى: العلم , وهي علم الله القديم والذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا , علمه بالكائنات , وعلمه بما سيكون وما لا يكون وبما لم يكن لو كان كيف يكون (2) .

المرتبة الثانية: لما علم سبحانه وتعالى أحوال العباد وأحوال العالمين كتبها في اللوح المحفوظ (3) .

المرتبة الثالثة: وهي درجة المشيئة , يعني شاء سبحانه وتعالى أن توجد الأمور التي علم أنها ستكون , شاء أن توجد في الأوقات المحددة لها (4) .

المرتبة الرابعة: وجود المقدرات في أوقاتها (5) .

ثم إن الناس في هذه المسألة افترقوا ثلاث فرق:

الفريق الأول: فرقة آمنت بالقضاء والقدر , وآمنت أن كل شيء يحدث فهو بالقضاء والقدر , وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن , وأن الله يسر العباد لما قدّر عليهم وقضاه لهم ,وجعل لهم مشيئة وفعلًا , فالعبد فاعل بمشيئته لكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى , هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة .

الفريق الثاني: نفوا القضاء والقدر وقالوا إن الله لم يقدر أفعال العباد , بل لا يعلمها إلا إذا فعلوها وأوجدوها , وهذا مذهب القدرية من معتزلة وغيرها .

والقدرية إذا أطلق يراد به الذين نفوا القدر وأنكروه ونفوا أن يكون الله خالقًا لأفعال العباد , والقدر يشمل المعتزلة والرافضة وطوائف أخرى , وأول ما نشأت هذه البدعة أنشأها رجل يهودي من يهود البصرة يقال له سوسن اليهودي , وهو أول من تكلم بنفي القدر سرًا , فأخذه عنه بعض الناس ونشروه كمعبد الجهني وغيلان الدمشقي وأمثالهما , ثم تطور أمر هذه البدعة وهذه الضلالة وتصدر لها واصل بن عطاء , وهو الذي وضع القواعد لهذا المذهب ونظمه وجعله مقالة ومذهبًا يصار إليه , إلى جانب ما أحدثه من نفي الصفات ومن القول بالمنزلة بين المنزلتين ومن القول بتخليد أهل المعاصي في النار .

ثم تطورت هذه الضلالات وانتشرت وتشعبت , فالقدرية في أول الأمر كانوا يقولون إن الله لا يقدر المعاصي والكفر والفسوق لكنه قدر الخير وخلقه , فيقولون الشر من العبد والعبد الخالق له والله لم يقدره , ولما أخبر ابن عباس رضي الله عنهما بذلك قال: ( هذا أول شرك في الإسلام والذي نفسي بيده ليؤولن بهم رأيهم إلى أن يخرجوا الله من أن يكون قدر الخير كما أخرجوه من أن يكون قدر الشر ) (6) , وفعلًا وقع ذلك قريبًا وصدق ما توقعه ابن عباس رضي الله عنه , فما هي إلا سنوات حتى اتفقت القدرية على أن الله سبحانه وتعالى لم يقدر شيئًا من أفعال العباد لا الخير ولا الشر .

هذه أصول الفرق وكل ينزَع لدليل , فالقدرية النفاة لهم شبه يستدلون بها , يقولون: لو قلنا بأن الله قدر المعاصي على العباد وخلقها لكان ظالمًا لهم إذا عذبهم كيف يقدر عليهم المعصية ويخلقها ثم يعاقبهم عليها , ولكن الأئمة رضوان الله عليهم ناظروهم وناقشوهم وأبطلوا مذهبهم بالحجج العقلية , فالإمام الشافعي رحمه الله يقول: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروه كفروا .

ووجه ذلك أن تسأل القدري إذا قال إن الله لم يخلق أفعال العباد - تسأله:

هل كان عالمًا بها أو لا ؟

فإن قال: لا . لم يكن عالمًا بها لزمه وصف الله بالجهل , ومن وصف الله بالجهل فقد كفر إجماعًا .

وإن قال: بلى علمه .

قيل له: لما علمه هل كان قادرًا على صرفهم عنها أو لا ؟ .

فإن قال: نعم . كان قادرًا على صرفهم عنها لكنه لم يصرفهم .

قيل: كيف يكون قادرا على صرفهم عن المعصية ولم يصرفهم , إذًا يكون ظالما , فيلزمهم في ذلك نظير ما فروا منه .

فإن قال: لم يكن قادرا كفر إجماعا , لأن من وصف الله بالعجز فهو كافر .

وقد جرت مناظرة بين عبد الجبار الهمذاني المعتزلي وبين أبي إسحاق الإسفرائيني الأشعري حيث دخل عبد الجبار على الصاحب بن عباد وكان عنده الإسفرائيني:

فقال عبدالجبار على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء .

فقال الإسفرائيني فورا: كلمة حق أريد بها باطل , سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء .

فقال عبدالجبار - وفهم انه قد عرف مراده -: أيريد ربنا أن يعصى ؟

فقال أبو إسحاق: أيعصى ربنا قهرا ؟

فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى , أحسن إلي أم أساء ؟

فقال الإسفرائيني: إن كان منعك ماهو لك فقد أساء , وإن كان منعك ماهو له فيختص برحمته من يشاء .

فانقطع القدري عبدالجبار وسكت ولم يجد جوابًا (7) .

فحينما قال عبدالجبار سبحان من تنزه عن الفحشاء عرف الاسفرائيني أنه يريد بذلك تنزيه الله عن أن يكون قدر المعاصي وخلقها , فقال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء , ومراد الاسفرائيني أنه إذا كنت تقول: إن الله لا يريد المعاصي ثم وقعت فمعناه أنه وقع في ملكه ما لا يشاء , فلما أدرك عبدالجبار أن الاسفرائيني ظهر عليه قال: أتراه يمنعني .. يعني قد عرفنا أن التوفيق ملك لله لكن ألا يكون ظالما لي أن منعني إياه ؟ فقال له الاسفرائيني: كلا , انظر إن كان التوفيق ملكك ثم منعك إياه فقد ظلمك , وإن كان ملكه فالمالك للشيء يتصرف فيه كيف يشاء .

فصاح الحاضرون كلهم والله ما لهذا من جواب.

وقد سبق أن ذكرت أن علماء الكلام - القدرية وغيرهم - لا يرون في النصوص السمعية حجة على مسائل العقيدة لكن إذا كان النص معهم فإنهم يستدلون به من باب إلزام الخصم بما يراه , فمما يستدلون به قوله تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فقالوا هذا يدل على أن هناك خالقين غير الله , وخالقين صفة ذم , ولكن السلف ردوا عليهم هذا التأويل وهذا الفهم وقالوا (8) : إن الخالقين في الآية ليس معناها الموجدين بل المراد بها معنى آخر , لأن خلق في اللغة تطلق ويراد بها أمور , منها:

1 -يقال: خلق بمعنى أوجد كما في قوله سبحانه و تعالى: ( خلق الله السماوات والأرض ) .

2 -ويقال: خلق الخياط الثوب بمعنى قدره وفصله , وخلق الخرّاز النعل بمعنى قاسها وقدرها وصورها على القياس الذي يريد , وفعله هذا يسمى خلقا , كل هذا يقال في اللغة العربية (9) .

فيكون قوله: ( تبارك الله أحسن الخالقين ) يعني أحسن المصورين والمقدرين , وليس المعنى الموجدين أو أحسن المخترعين , لأنه لا موجد ولا مخترع إلا الله , وهذا معروف في لغة العرب أن الخلق يطلق ويراد به غير الإيجاد مثل قول الشاعر:

ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى (10)

يقول إن الممدوح لا ينازعه أحد , فهو إذا قدر أمرًا أوجده ولا يخشى من أحد , أما غيره فإنه يقدّر ويصوّر ولكن ليست لديه القدرة في التنفيذ , وقوله: بعض القوم يخلق أي يقدر و يقيس .

هذا ما يتعلق بمذهب القدرية , والبحث في مذهبهم والرد عليهم يطول لكن هذه نبذة تعطيك فكرة عنهم .

الفريق الثالث: الجهمية الذين أثبتوا القدر كما أثبته أهل السنة والجماعة يعني آمنوا بأن الله سبحانه وتعالى قضى وقدر كل شيء على عباده وأنه لا شيء يوجد إلا بمشيئة الله وإرادته لكنهم غلوا في هذا التقرير وفي هذا الإثبات حتى جعلوا العبد مجبورًا على أفعاله , وقالوا إن العبد لا فعل له , وأفعال العباد هي أفعال الله حقيقة , فأخرجوا العبد من أن يكون له مشيئة وإرادة يفعل بها ويتصرف على ضوئها .

والقرآن كله مملوء مما يخالف هذا الكلام , كقوله سبحانه تعالى: ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) قوله: ( ألهمها ) فيه التوفيق والإعانة , ( فجورها ) فيه الدلالة على أن الفجور من العبد , لأنه أضافه إليه فقال ( فجورها وتقواها ) , فلو لم يكن للعبد فعل إذا فجر وفعل إذا اتقى لما صح إضافة الفجور والتقوى إليه , والأدلة كثيرة جدا .

ومما يستدلون به أن الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى المواقف أخذ كفا من الحصى ورمى بها المشركين , فانزل الله تعالى قوله: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) , يقولون: إن الله سبحانه وتعالى نفى عن نبيه الفعل مع أنه صادر عنه فقال: ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) قالوا: فهذا دليل على أن العبد ليس له فعل , وأن الأفعال التي تصدر عنه هي أفعال الله .

ورد أهل السنة والجماعة عليهم هذا الاستدلال فقالوا: إن الرمي في اللغة يطلق ويراد به أحد أمرين:

1 -تارة يطلق ويراد به الحذف .

2 -وتارة يطلق ويراد به إصابة الغرض .

إذا حذفت السهم من القوس أو أطلقت الرصاصة من البندقية تقول رميت , سواء أصبت أم لم تصبه , وتقول رميت الغرض إذا أصبته , فالذي نفي عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإصابة ( فما رميت ) أي ما أصبت , ( إذ رميت ) إذ حذفت , ( ولكن الله رمى ) ولكن الله أصاب , فالفعل الذي نفي عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإصابة , والإصابة لا تكون إلا بإذن الله وبإرادة الله , والرامي يرمي ويحتاط ويسدد الرمية للغرض ولكن قد يصيب وقد لا يصيب , فإذا أراد الله الإصابة حبس السهم في الرمية , وإن لم يرد ذلك طاش السهم أو زل يمينًا أو شمالًا .

(1) / وانظر أيضا في شفاء العليل لابن القيم ذكره لهذه المراتب ص 71 ت خالد عبداللطيف السبع.

(2) / قال ابن تيمية رحمه الله ( درء التعارض 9/369 ) : اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله عالم بما سيكون قبل أن يكون . وقال ابن قتيبة ( الاختلاف في اللفظ ص 25 ) : لم يقل احد من الناس إن شيئا يحدث في الأرض لا يعلمه الله .

(3) / في طبقات الحنابلة 1/27 قال حنبل قلت له - يعني الإمام احمد - الشقاء والسعادة مكتوبان على العبد ؟ قال: نعم , سابق في علم الله وهما في اللوح المحفوظ . وقال أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ( رسالة إلى أهل الثغر ص 247 ) واجمعوا على انه قد قدر جميع أفعال الخلق وأثبت في اللوح المحفوظ جميع ماهو كائن منهم إلى يوم يبعثون .

(4) / قال ابن قتيبة رحمه الله ( تأويل مختلف الحديث ص 14 ) : أصحاب الحديث كلهم مجموعون على أن ما شاء الله كان , ومالم يشأ لم يكن . وقال ابن تيمية ( بيان تلبيس الجهمية 1/420 ) خلافا لما اجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

(5) / قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ( مجموع الفتاوى 8/406 ) أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها . وقال ابن عبدالبر رحمه الله ( فتح البر 2/283 ) في معرض شرحه لحديث تحاج آدم وموسى: وفيه الأصل الجسيم الذي اجمع عليه أهل الحق وهو أن الله عز وجل قد فرغ من أعمال العباد فكل يجري فيما قدر له وسبق في علم الله تبارك اسمه .

(6) / رواه احمد في المسند ( 3054 ) وأورده ابن حجر في المطالب العالية ( 2936 ) ونسبه إلى إسحاق بن راهويه .

(7) / انظر دفع إيهام الاضطراب للشنقيطي في آخر أضواء البيان 10/331 , ولوامع الأنوار البهية للسفاريني 1 / 339

(8) / انظر أضواء البيان للشنقيطي 5/ 781 , وشفاء العليل لابن القيم ص 119 ت خالد السبع

(9) / وقد تطلق ويراد بها الكذب , كما في قوله تعالى: ( وتخلقون إفكًا ) , لكن إذا قصد بها الإبداع فهو خاص بالله سبحانه .

انظر منهاج السنة 2/ 250 , ومفردات الراغب الأصفهاني مادة خلق .

(10) / ينظر مفردات الراغب الأصفهاني مادة خلق , وأضواء البيان 6/267 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت