( وأن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولًا , وأنزله على رسوله وحيا , وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا , وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة , ليس بمخلوق ككلام البريّة , ومن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذمه الله وعابه و أوعده بسقر , حيث قال تعالى( سأصليه سقر ) فلما أوعد الله بسقر لمن قال ( إن هذا إلا قول البشر ) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر )
ــــــــــــــــــــــ
الشرح: هذا المقطع يتعلق ببيان مذهب أهل السنة والجماعة في كلام الله , والإمام الطحاوي واحد منهم , وهو يتكلم على أن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو كذلك , وهو سائر على طريقتهم رحمه الله إلا في مسائل قليلة ينبه عليها في حينها .
الكلام في لغة العرب من حيث هو ما تكون من كلمتين وأفاد فائدة يحسن سكوت المتكلم عليها , وكلام الله سبحانه وتعالى هو ما تكلم به وسمع من ملائكته وأنبيائه , وللناس في كلام الله مذاهب كثيرة , ذكر شارح الطحاوية منها تسعة مذاهب , ولكن كلها ترجع إلى ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: قول السلف أهل السنة والجماعة وهو أن القرآن والتوراة والإنجيل كلام الله , وأنه يتكلم بكلام يسمع منه بحرف وصوت إذا نادى أو كلم من شاء من عباده سواء في ذلك الملائكة أو الرسل أو غيرهم , كما قال سبحانه وتعالى في عدّة مواضع من كتابه العزيز , ومنها قوله عز وجل: (فأجره حتى يسمع كلام الله ) وكذلك قوله: ( وكلم الله موسى تكليمًا ) وقوله سبحانه: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ) وغيرها من النصوص الدالة على أن الله يتكلم إذا شاء , والكلام صفة من صفاته سبحانه وتعالى كسائر صفاته , يثبت له على الكيفية التي تليق بجلاله وعظمته .
فنؤمن بأن الله يتكلم وله كلام وأن كلامه بحرف وصوت ويسمع منه ولكن كيف يكون ذلك أو ما هو كنه ذلك الكلام ؟ هذا نقف عنه ولا نتكلم فيه لأننا مأمورون بالإيمان بمعاني الصفات وحقائقها أما كيفياتها وكنهها فهذا ليس إلى البشر , والكلام كلام الله , هو يتكلم إلى جبريل وجبريل يسمعه ثم ينقله إلى رسله , وقد يتكلم إلى رسله مباشرة كما كلم موسى صلى الله عليه وسلم وكما كلم محمدًا صلى الله عليه وسلم على الصحيح حين أسري به .
وهذا لا خلاف فيه بين السلف , السلف كلهم متفقون على الإيمان بأن اللفظ والمعنى كلاهما كلام الله , ليس كلامه المعاني دون الحروف ولا الحروف دون المعاني كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .
والدليل على أن الله يتكلم بصوت ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبدالله بن أنيس انه قال ( يحشر الله الخلائق يوم القيامة عراة حفاة غرْلا ، بهما, فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديّان ) (1) .
وهذا خلاصة مذهب السلف في الكلام .
المذهب الثاني: فهو للأشاعرة والكلابية والماتريدية , والأشاعرة الكلابية والماتريدية مشربهم واحد ومنهجهم واحد , وأدلة الإثبات وأدلة النفي عندهم واحدة , ولا يختلفون إلا في أمور خفيفة لا تستحق أن يقال إنه خلاف , لأنه إن وقع بينهم شيء فهو من طرق الخلاف اللفظي (2) .
هؤلاء رأيهم في كلام الله أن كلام الله هو المعنى القائم بذاته - معنى الكلام فقط - وأما أن يتكلم بكلام يسمع منه فهذا لا يقر به هؤلاء أبدًا , وإنما يقولون الحروف والأصوات التي تسمع هي كلام البشر .
فمعنى الكلام قائم بذاته , و معنى الأمر و النهي و الاستفهام و الاستخبار كله قائم بذاته , فإذا أراد تبليغ شيء من هذه المعاني أقدر جبريل على أن يفهم ما في نفسه سبحانه وتعالى فيعبر عنه , فعلى هذا التفسير يكون القرآن مخلوقا (3) وإن قالوا إنه كلام الله , لماذا ؟ لأنهم يقولون إن الله لم يتكلم بكلام سمعه جبريل وعبر عنه أو نقله , يقولون إن جبريل فهم ما يريده الله فتكلم به , فيكون معنى الكلام عندهم راجعًا للإرادة .
وهم إن أقروا به مع الصفات السبع التي يقرون بها لكنه على هذا النمط , يقرون بكلام الله بمعنى أن معنى الكلام هو كلام الله وأما اللفظ فهو لفظ جبريل جاء به إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن فهم ما يريده الله , فلفظ الكلام عندهم مخلوق , فهم يتفقون مع الجهمية والمعتزلة بالنسبة للفظ الكلام وأنه مخلوق (4) , لكنهم يختلفون عنهم بدعواهم أن كلام الله معاني قائمة بذاته يُفهمها من شاء فيفهمها عنه , لا أنه تكلم , ويقولون الكلام في حقه سبحانه وتعالى محال لأن الكلام يحتاج إلى لسان وشفتين وأسنان وحلق ولهاة وغير ذلك .
ولكن يرد عليهم هذا الكلام الذي ذكروه: بأن هذا من شئون المخلوقين ومن صفاتهم , الإنسان هو الذي كلامه يفتقر إلى هذه الآلات , أما الله سبحانه وتعالى كما أن ذاته لا تماثل ذوات المخلوقين فكذلك صفاته ومنها الكلام لا تماثل صفات المخلوقين , وإلا فلو طردنا هذا الباب على قولهم لبطلت صفات الله كلها .
لأنه يمكن لقائل أن يقول كالجهم مثلًا: الإرادة والعلم والحياة وغيرها من الصفات العقلية لا يوصف الله بها لأننا لا نرى متصفا بهذه الصفات - في المشاهد - إلا وهو مخلوق , فلو أثبتناها لله لكان مشابهًا للخلق , فلهذا لا يلزم على صفاته ما يلزم على صفات المخلوقين .
وكما أن الكلام أخبر الله عنه أنه صدر من بعض الأشياء من غير أن يكون لها لسان ولا أسنان ولا حلق كالسموات والأرض ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) . هل للأرض لسان , وهل للسماء لسان وقد أخبر عنهما أنهما قالتا ؟ فالقول والكلام لا يتوقف على هذه الآلات إلا بالنسبة لما نشاهده من البشر , والله سبحانه وتعالى أعظم من كل ما يخطر في خلد إنسان مهما كان , لا يمكن لإنسان أن يتصور عظمته حتى يقول يلزم على كلامه كذا أو يلزم على رؤيته كذا أو يلزم على استوائه ونزوله كذا , الله سبحانه وتعالى عظيم ولا يقاس بخلقه , ولا يجوز عليه ما يجوز على خلقه من الأمور التي تكون عيوبًا ونقائص .
فالكلابية والأشاعرة يقولون بهذا المذهب , ولكن يختلفون في التعبير , فالكلابية يقولون: إن القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو كلام الله , والأشاعرة يقولون إن القرآن عبارة عن كلام الله وليس هو كلام الله , فكلهم متفقون على أنه ليس كلام الله وإنما هو كلام جبريل , واختلافاتهم فيما بينهم كلها كهذا الاختلاف , فلا فرق بين العبارة والحكاية إنما الأشاعرة تبرر قولها فتقول: إن الحكاية معناها المحاكاة والمشابهة , وإذا قلنا إن القرآن حكاية عن كلام الله كأننا نقول إنه شبيه بكلام الله .
المذهب الثالث: مذهب الجهمية والمعتزلة , هؤلاء يقولون إن كلام الله مخلوق لفظه ومعناه , خلقه الله في اللوح المحفوظ ونقله جبريل عنه أو خلقه في أي مكان .
فمكالمته لموسى يقولون إنه خلق الكلام في الشجرة , وهذا باطل لوجوه:
أولًا: أنه لو خلق في الشجرة لصار كلام الشجرة , ولأنه خلق فينا كلامًا فهو كلامنا , وخلق في الحيوانات الأصوات فالأصوات أصواتها .
ثانيا: لو كان الكلام خلقه في الشجرة لكانت الشجرة تدعو إلى عبادتها , لأن الله سبحانه وتعالى نادى موسى ( إني أنا ربك ) فهل تقول الشجرة يا موسى إني أنا ربك ؟ فلما كان الكلام هو كلام الله سمعه موسى عليه الصلاة والسلام من تلقاء الشجرة , فلا يصح أن يكون كلامه سبحانه وتعالى مخلوقًا لا في الشجرة ولا في غيرها , صحيح أنه كَتب في اللوح المحفوظ سبحانه وتعالى ما شاء لكن تكلم به وكتبه لا أنه خلقه من غير أن يتكلم به , هو كتبه بعد أن تكلم به سبحانه وتعالى .
ولهذا لما احتج عبد العزيز الكناني بالسبر والتقسيم على بشر المريسي في المناظرة التي جرت بين يدي المأمون عن كلام الله سبحانه قال عبد العزيز: هذا الكلام الذي تقوله يا بشر المريسي قولك إن الله خلقه أخبرني:
هل خلقه في نفسه سبحانه وتعالى , أو خلقه في غيره , أو خلقه لا في مكان , ولا قسم رابع , فلما كان السؤال مفحمًا والجواب لا يجده المبطل عجز بشر عن الجواب .
فرجع المأمون إلى عبد العزيز الكناني وقال: انقطع بشر وعجز عن الجواب لكن أخبرني ماذا تقول لو أجاب بأي واحد منها ؟
قال: يا أمير المؤمنين أنا سألته هل خلق الله الكلام في ذاته الكريمة ؟ فلو قال: نعم لكفر , لأنه جعل ذات الباري محلًا للحوادث وبالإجماع أن من اعتقد أن الباري محلًا للحوادث فقد كفر , ولو قال: خلقه في غيره من سائر المخلوقات لطالبته بالفرق بين كلام الله وبين كلامي وكلامك وكلام زيد وعمرو ونهيق الحمير وصياح الكلاب , كل هذه الأصوات خلقها الله في غيره , فأي فرق بينها وبين كلام الله , قال: ولو قال خلقه لا في مكان , لا يقوله لكنه لو قاله لبُيّن له أن العقلاء أجمعوا بأن المخلوق لا بد وأن يكون في مكان , ولا يمكن أن يكون في غير مكان , فكل مخلوق لا يخلوا من مكان , فانقطع المريسي ودحضت حجته (5) .
وأحد الأقسام الثلاثة التي جاء بها هي التي يقولها المعتزلة والجهمية وبالنسبة لكلام الله , يقولون خلقه في غيره , كلامه لموسى خلقه في الشجرة , وكلامه لمحمد خلقه في اللوح المحفوظ , فهم جعلوا كلام الله ككلام غيره لا فرق بينه وبين كلام الناس .
هذا حاصل أو خلاصة ما يقال في مذاهب الناس في كلام الله على سبيل الإجمال , ولكن نعيد الجمل هذه التي قالها المؤلف لأنه رحمه الله يأتي في الحُكم الواحد بعدة عبارات من باب التكرار , لأنه كما ذكرنا يحمله على التكرار مراعاة فقرات السجع .
(1) / ذكره البخاري في صحيحه معلقا بعد حديث ( 77 ) ووصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق ( 5/355 ) ورواه البخاري أيضا في خلق أفعال العباد ص 99 , ورواه في صحيحه بلفظ آخر ( 7483 ) , وفي الأدب المفرد ( 970 ) ورواه احمد في مسنده ( 16042 ) بسند حسن .
(2) / ينظر الماتريدية للشمس السلفي الأفغاني رحمه الله 1/ 430 والتدمرية لشيخ الإسلام ص 191 ت محمد عودة السعوي .
(3) / انظر قول ابن قدامة في البرهان في بيان القرآن ص 52
(4) / ذكر بعضهم أن الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة في كلام الله خلاف لفظي , انظر شرح المواقف للجرجاني 8/93 وشرح العقائد العضدية للدواني ص 588
(5) / ذكر الشيخ رحمه الله هذه القصة مختصرة مع شيء من الشرح , وتجد نصها في كتاب الحيدة لعبدالعزيز الكناني ص 126 تحقيق د. جميل صليبا .