ــــــــــــــــــــــ
الشرح: يعني نؤمن بالصراط , والصراط في اللغة الطريق , يقال هذا صرا ط مستقيم يعني طريق لا اعوجاج فيه .
فيطلق على الطريق المعنوي كالمذهب والدين والمنهج , فيقال هذا صراط الله وهذا صراط الشيطان , كما في قوله سبحانه ( صراط الذين أنعمت عليهم ) والمراد بالصراط هنا الطريق المعنوي وهو الدين .
ويطلق أيضا على الطريق الحسي كما هو أصله , وهو الذي أراده هنا , وهو الصراط الحسي , أي الجسر الذي ينصب على متن جهنم يوم القيامة ويكلف الناس باجتيازه , ويجتازونه على حسب أعمالهم , فمن الناس من يجتازه بسرعة خاطفة ومنهم من يجتازه بسرعة بطيئة ومنهم من يحبو حبوًا تقر رجل وتعلق أخرى , وتقر يدٌ وتعلق أخرى , لكنه يخلص منها وينجو , فإذا نجا قال الحمد لله الذي آتاني ما لم يؤت أحدًا من خلقه , لأن النجاة من النار فضل لا يتصور الإنسان عِظَمه .
ومذهب أهل السنة و الجماعة الإيمان بالصراط , وقد جاءت أوصافه في أحاديث كثيرة منها أنه أدق من الشعرة وأحدّ من السيف وأحرّ من الجمر وأنه دحضٌ مزلة , لكن من أئمة السلف من يرى أن هذه الصفات لم تثبت كلها , يؤمِن بالصراط وأنه جسر منصوب على متن جهنم ولكن يقول هذه الصفات لم تثبت .
وعادة العلماء يبحثون في مسألة الصراط معنى الورود كما في قوله تعالى: ( وإن منكم إلا واردها ) هذه الآية للمفسرين في معناها ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: الورود الذي ذكر في الآية معناه العبور على الصراط بالنسبة للمؤمنين , والدخول إلى النار بالنسبة للكافرين , يعني لا أحد إلا وسوف يرد النار , إما أن يدخل فيها إن كان من أهلها وإما أن يمرّ عليها إن كان من أهل الجنة .
المذهب الثاني: أن الورود معناه الوقوف حول النار والإطلاع عليها من كثب ويستدل هؤلاء بقوله تعالى: ( ولما ورد ماء مدين ) يقولون إنه أطلق الورود مع أن موسى ما دخل في ماء مدين ( ورد ماء مدين ) يعني وقف قربه ووقف حوله .
المذهب الثالث: الذين يقولون ما من أحد إلا سيدخل النار دخولا حقيقا , من أهل الجنة ومن أهل النار , فأما أهل الجنة فتكون عليهم بردًا و سلاما ثم يخرجون منها إلى الجنة , وهؤلاء يقولون إن تفسير الورود بالمرور على الصراط يرده قوله سبحانه وتعالى: ( وإن منكم إلا واردها - إلى قوله - ثم ننجي الذين اتقوا ) , قالوا: فيفهم من هذا أن النجاة حصلت بعد الوقوع في النار .
وهذا أجاب عنه العلماء بأنه لا يلزم من وصف الإنسان بالنجاة من الشيء أنه دخل فيه , بل إذا انعقدت أسباب الأمر وأوشك أن يحصل ثم لم يحصل قيل نجى , ولذا قال سبحانه نجينا هودًا نجينا صالحا نجينا شعيبا , مع أن العذاب الذي أصاب قومهم ما أصابهم , ومع هذا قال نجيناهم .
فيكون معنى: ( ثم ننجي الذين اتقوا ) أي ننجيهم من النار بطريق عبورهم على الطريق , وليس بعد أن دخلوا فيها .
والأقوال في مسألة الورود هي هذه الثلاثة:
1 -إما العبور على الصراط بالنسبة للمؤمنين ودخول النار بالنسبة للكافرين .
2 -وإما الوقوف حولها والقرب منها .
3 -وإما الدخول الحقيقي لجميع الناس فيها , لكنها تكون بردًا وسلاما على المؤمنين كما كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم .
والراجح الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين .